الثلاثاء : 9 فبراير 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الرئيسية
التنمية والفساد في مصر .. التعايش المستحيل ـ صابر حسنين علام

التنمية ... مفردة غابت عن أدبياتنا اليومية وسط زحمة من عناوين ملحة استحوذت على الاهتمام والمتابعة.... عناوين مثل التعديل الدستوري ، أزمة القضاة ، قانون الصحافة ، انتخابات النقابات العمالية والاتحادات الطلابية ، واقعة طلبة جامعة الأزهر (تحقيقات في "خروج" 36 مليار دولار من مصر و 5 مليار لاستيراد سلع لم تدخل ) (اتجاه قوي بالوطني يطالب بوقف النشر حول أكياس الدم الملوثة ) المصريون في 11/1/2007م وغيرها مما لا يتسع المجال لحصره ... كلها قضايا يلعب فيها الفساد الحكومي الدور الأبرز .. سواء بالتغطية علي أبطال فضائح الفساد أو عدم تمكين قوي شعبية رئيسية من التعبير عن نفسها سواء في انتخابات طلابية أو عمالية ... وعليه يصبح الكلام عن التنمية .. قولا يثير السخرية والتنكيت .. فضلا عن استهزاء رجل الشارع بأي كلام عن التنمية وهو يري رؤى العين أعداد العاطلين المتزايدة سنة عن أخري ويسمع وربما يكون طرفا في واقعة فساد حية.

فالأنشطة الاقتصادية تمارس ضمن منظومة من الفساد يعتليها عنوان خادع ... التنمية .... مثل كسح الموارد المتاحة (الشحيحة في الأصل) دون أي اعتبار للأجيال القادمة .. } بيع البترول والغاز إلي إسرائيل لمدد مستقبلية طويلة بأسعار تقل كثيرا عن سعر السوق فضلا عن النص في عقودها إلي عدم أمكانية تغييرها في المستقبل { أو بيع الشركات الناجحة والتي تحقق أرباحا قياسية بأسعار بخسة تقل حتى عن سعر الأرض المقامة عليها ... الي ما أصبح مألوف ومعروف عن الرشاوي والتسعيرات الخاصة بالتعينات فى الوظائف المميزة أو حتى القبول في كليات بعينها ... هذا الي جانب المرتبات ذات الأرقام الفلكية ... كل ذلك ساعد على إفراز ثقافة جديدة تتأصل وتتجذر في وجدان الناس في تعاملهم اليومي وهي المصالح المشتركة التي تتخطى الانتماء الحزبي والوطني والديني والطبقي فالمصلحة الفردية فوق كل اعتبار.

كما أنه هناك ثقافة فساد سوبر ... خاصة بالنخبة المثقفة .... تروج للفساد كالقول بأنه من الضروري أن تميل الدولة لرعاية مصالح الأغنياء خصما من رصيد الفقراء .. فالغني حتى وان كان فاسدا يعرف كيف يدير الثروة (وهي غالبا أموال بنوك لم تسدد ولن تسدد) وبالتالي تزيد استثماراته مما يعنى إيجاد فرص عمل جديدة للفقراء ... بينما إذا عملت الدولة على زيادة دخل الفقير فسوف ينفقها في الاستهلاك المباشر.
او القول بأن الفساد يساعد في تيسير وتسيير ودفع للإجراءات البيروقراطية المعوقة للتنمية ... كما انه يساعد فى التقليل من حدة التفاوت في المداخيل ، اذ يقدم الفساد طريقة مثالية لإعادة توزيع جزء من الثروة لفئات معلوم أنها لن ترتقي بأكثر مما هي فيه وبالتأكيد لن تكون يوما في موقع القرار والسلطة. وكمنظومة واحدة يدور فيها الفساد بشقيه المستغل الفاسد والموظف العام المرتشي وحكومة تعلم كل ذلك وترعاه ... تعمل على حمايتهم وحماية نفسها بتوظيف الأموال الفاسدة في أنشطة فاسدة مثل تكريس أمن الفساد بالانفاق ببذخ علي قوي البطش والبلطجية والسجون والتلفيق والمراقبة بأعداد مليونية... وتوظيف صحف ومجلات يومية وأسبوعية كل مهمتها الهجوم و التدمير السياسي والنيل من المعارضين القادرين علي فضح قوى الفساد .

ولا شك بأن الفساد يؤخر أو يكاد يلغي مشروع التنمية برمته ، فالفساد يعنى التهرب من الجمارك أو الضرائب او الشروط المعيارية للمنتج أو الاستيلاء على أموال البنوك وتهريبها الي الخارج أو الاستيلاء على اراضى الدولة بأسعار رمزية وإعادة بيعها ربما إلى الدولة أيضا بأسعار خيالية تدفعها الخزينة من الأموال العامة ... الأخطر أن الفساد يقضي على التنافس الشريف ويحد من كفاءة المجتهدين التي تقوم على المنافسة لصالح المستهلك في نهاية الأمر وبذلك يغيم الرؤية أمام صغار المستثمرين الغير قادرين على مسايرة منظومة الفساد وتصبح دراسات الجدوى غير ذات جدوى ويصبح الدخول في أى مشروع مطروح لا يتم تقيمه وفقا لآليات السوق .. بل يتم على أساس علاقات الفساد وعلاقات القرابة والصداقة والولاء السياسي والمصالح الفردية.
مما يعنى في النهاية السطو على أموال كانت مرصودة نظريا للنهوض بالخدمات التى تقدم للفقراء مثل الرعاية الصحية والتعليم والدعم للسلع التموينية والخبز وتحسين وصيانة الخدمات عموما أو إقامة مشروعات جديدة تستوعب جزءا من العاطلين عن العمل. ومن جراء ذلك تحجم الدولة ويتراجع دورها سنة عن أخري في تقديم الخدمات الطبية والتعليمة وتقل المبالغ المرصودة فى الموازنة للتعليم والصحة وتزداد حدة التفاوت في المجتمع (أغنياء وفقراء) مادام هناك موظفا عاما يرتشي من مستثمر فاسد يستولي علي المال العام بمساعدة الأول ومن ثم ترسخت ثقافة ومفاهيم التمايز الطبقي التي تخلق نوعا من الحسد والنظرة المستريبة من الجانبين.

وخطورة الفساد انه جريمة يصعب تعقب مرتكبيها فالموظف العام المتنفذ سواء مارس الفساد لصالحه أو قبل الرشوة من الغير في سبيل تمرير أمر ما غالبا ما يفعل ذلك وهو في السلطة تحميه الوظيفة أو لديه حصانة قانونية قد تعيق اكتشاف فعلته قبل مرور وقت طويل بقدر ما تزداد فرصة هروبه وتملصه من جريمته ، وجرائم الفساد غالبا تتم في حق شخصية اعتبارية وليس شخصا طبيعيا أي انه ليس هناك مجنيا عليه يكون لديه أو لدي ذويه حافز التعقب والملاحقة وربما يكون ذلك هو السر الذي يكمن وراء ما يسمى بالرقم الأسود أو الرقم الخفي وهو يمثل الفارق بين عدد الجرائم المكتشفة وعدد الجرائم المتحققة بالفعل ... كأن يكون الأرباح المحسوبة والمنتظرة 100 ولكن المتحقق 80 ... هناك 20 مفقودة في عمليات فساد .. تم اكتشاف 10 و 10 الباقية هي الرقم الأسود أو الخفي ... مما يدل على قصور في أجهزة الرقابة والتقصي .

ولا شك أن التنمية هي حلم كل امة وحلم كل إنسان وطني شريف في الانتقال السريع من حالة الفقر والتخلف الطويل واللحاق بالأمم المتقدمة ... ولكن على الخط هناك حالما آخر ... يتخفي من الضرائب من الجمارك من المطار يعبث في مصنع صنع أكياس الدم يشتري عبارات من بنما يشتري مبيدات مسرطنة ، يستأثر بصفقات جرارات سكة الحديد المشبوهة يغض الطرف عن تحويل 36 مليار دولار ولا ينتبه الا بعد تحويلها بالكامل ..... يسد الطريق برغم ضيقه .
نحن في حاجة إلي تنشأة جيل كامل بمفاهيم جديدة ... جيل يعرف أن الديمقراطية الحقة هي التى تقف حجر عثرة في وجه الفساد تكشفه وتعلنه فى صحافة حرة غير مهددة بالحبس او الغرامة او المصادرة او الإغلاق ... جيل نربيه نعلمه أن الكل مفروض أن يخضع للمسائلة والمحاكمة اذا لزم الأمر مادمنا لم نستطع أن نحفظ له بعض من الموارد التي كانت متاحة في يوم ما .. فعلي الأقل نعلمه ما ينفعه في يومه وغده ومع ربه يوم لقاءه.