|
 |
للطباعة | |  |
للحفظ |
الصحافة المصرية |
 |
|
|
الكراسي القيادية في مصر – لا الدعم- هي التي لا تصل لمستحقيها..لماذا يعتبر المسئولون في مصر أنفسهم في مباراة ضد الغلابة؟..الغموض يكتنف مستقبل مصر بيئيا أيضا لا سياسيا فقط..
|
| خاص – المصريون : بتاريخ 14 - 12 - 2007 |
نبدأ هذه الجولة في صحف القاهرة الصادرة آخر الاسبوع الماضي من جريدة الدستور اليومية حيث نقرأ لفهمي هويدى الذي كتب مستنكرا تعامل الحكومة مع احتجاجات الغلابة في مصر على انها دائما لي لذراعها وخصومة معها..نقرأ: (لماذا تعتبر الحكومة أن احتجاجات الجماهير واعتصامها ليا لذراعها ؟ ولماذا يتصور بعض الوزراء أنهم في مباراة ضد الأهالي ، وأنه لابد أن يكون الفوز من نصيب فريق دون آخر( ولماذا لا يستقبل غضب الناس باعتباره حقا يمارسونه في حدود القانون - وأمرا من المجتمع ـ يتعين على السلطة أن تجتهد في تنفيذه لم إذا ثبتت مشروعيته ؟
هذه الأسئلة تداعت إلى ذهني حين قرأت في صحف الصباح التصريحات الغاضبة التي أطلقها وزير المالية ، في تعليقه على اعتصام واحتجاج موظفي الضرائب العقارية ، واتسمت في مجملها بروح بأكثر مما عبرت عن التفهم والرغبة في التوافق ، فالوزير نسى أنهم موظفون مطعونون يطمحون إلى حد أدنى من الحياة الكريمة ، التي تمكنهم من ستر بيوتهم وتربية عيالهم ، وفاته أنهم لم يلجأوا إلى الإضراب والاعتصام إلا بعد أن بحت أصواتهم وهم يطالبون بحقهم في التساوي مع زملائهم في حين ضاقت بهم سبل الحياة وقصم الغلاء ظهورهم ، ولم بابه بوجودهم في عرض الشارع أمام مجلس الوزراء وقد صفعهم البرد، وهم يطرقون بابه طوال النهار، ويتدثرون بالغضب طوال الليل ، رجالهم ونساؤهم وأطفالهم .. ذلك كله تجاهله الدكتور يوسف بطرس غالي وتذكر شيئا واحدا هو أن هؤلاء الموظفين تخلوا عن الانصياع له ورفعوا أصواتهم عالية أمام بابه مطالبين بما تصوروه حقوقا لهم ، وشأن أي راع فإنه لم يخطر بباله أن الرعية يمكن أن ترفع رأسها معبرة من غضب أو ملوحة بمطلب ، وأدهشه واستفزه أن يرفض "القطيع" الانصراف أو الانقضاض إلا بعد أن يستجاب لمطلبهم ، لذلك كان
رده قاسيا و مقتضبا : لا أن يلوى ذراعي، ومن يهدد بأنه سيبقي في الشارع إذا لم يتحقق مراده ، ليبقى في الشارع .
سؤالان يطرحهما المشهد : لماذا وصلت الأمور إلى الحد الذي انتهى بالاعتصام وإعلان الإضراب ؟
ولماذا تصرف الوزير على ذلك النحو؟
- ردي على السؤال الأول : إن مصر تعانى من خلل هائل في الأجور، وهذا الخلل ليس جديدا، ولا هو مسئولية الحكومة الراهنة ، ولكنه حصيلة تراكم بائس استمر خلال العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل ، حينما بددت سياسة الانفتاح التي اختلت في ظلها كل الموازين الاقتصادية والاجتماعية بحيث تضاعف فقر الفقراء، كما تضاعفت دخول الأثرياء وفى حين استطاع كبار موظفي الدولة ان يحلوا مشاكلهم المالية ، لأنهم أصحاب القرار وفى أيديهم مفاتيح توزيع المكافآت والبدلات والانتدابات وعضوية اللجان ومجالس الإدارات مما رفع دخولهم الشهرية إلى عشرات الألوف من الجنيهات ، فإن صغار الموظفين والعاملين كان عليهم أن يحلوا مشاكلهم بأنفسهم ، وأصبحت خياراتهم موزعة بين أن يسرقوا أو
يرتشوا أو يتسولوا ، أو أن يسحقوا ويذلوا ليموتوا كمدا بعد ذلك .
وفي كل الأحوال فإن أجورهم ظلت تقدر ببضع عشرات من الجنيهات ، وكانت النتيجة أن جميع موظفي الدولة وعمالها من غير المحظوظين ، أصبحوا يعانون من وطأة الغلاء الفاحش ، من (أساتذة الجامعات إلى موظفي الضرائب العقارية مرورا بعمال مصانع النسيج في المحلة وغيرها .
المشكلة في هذه الزاوية تبدو أكبر من موظفي الضرائب العقارية ، كما أنها أكبر من وزير المالية والحكومة كلها، خصوصا إذا كانت البلد لا تنتج شيئا يحسن موقف مواردها، وإذا كانت الحكومة لا تكف عن الإنفاق الباذخ الذي يصيب موازنتها المالية بالعجز المستمر، وربما بدا أن التعامل معها بحاجة إلى مراجعة شاملة للسياسة المالية والاقتصادية ، تعطي الناس أملا في إمكانية إصلاح أحوالهم ، وذلك مسار طويل ووعر ليست الحكومة مستعدة للمضي فيه ، الأمر الذي سيعرضها لمأزق مستمر من قبيل الوضع الذي نحن بصدده الآن .
أما ما يدفع الوزير إلى تبني موقف التحدي واللامبالاة الذي اتخذه ، فذلك راجع إلى أنه لم يستمد شرعيته من رضى الناس أو اختيارهم ، ثم لم نه يعلم جيدا أنه فوق الحساب والمسائلة ، وأنه طالما ضمن رضى الجهات "العليا" فليشرب معارضوه من البحر، أو يخبطوا رؤوسهم في الحائط .
قديم دخل أعرابي على معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة للمسلمين فحياه قائلا : سلام عليك أيها الأجير، وحين هم بعض بطانته بتأديبه ، فإنه رد عليهم بقوله إن الله استأجره ليقوم بأمر المسلمين ويقضى مصالحهم ، وهو تقريبا ذات الوصف الذي يطلق على كل موظف حكومي مهما علا مقامه في الديمقراطيات الغربية ، إذ يعتبر «خادما للمجتمع »، لكن مثل هذه المعاني لا تخطر على بال أولى الأمر في بلادنا ، لأنها تبدو غريبة على ثقافة "أزهى العصور".)
- ومن الدستور ايضا نقرأ لابراهيم عيسى الذي يؤكد ان الكراسي مصر هي التي لا تصل لمستحقيها وليس الدعم ..نقرأ: (البهوات الذين يخرجون علينا من كورنيش الحزب الوطني، أو من حكومة الحزب الوطني، يكاد الدمع يهطل من عيونهم حزنا وكمدا وهم يقولون إن الدعم لا يصل لمستحقيه ، نسألهم السؤال الواقف في زورنا جميعا وهو: هل الكراسي التي تجلسون عليها أساسا يا بهوات وصلت لمستحقيها أصلا؟، هل حكم مصر وصل لمستحقيه؟ هل موقع أمين لجنة السياسات في الحزب الوطني وصل لمستحقه هل الأصوات الانتخابية التي وضعها الناخبون في صناديق الانتخابات وصلت لمستحقيها أم انه تم تزويرها وتزييفها تالت ومتلت ووصلت لغير مستحقيها؟ هل مقاعد البرلمان وصلت بالسلامة لمستحقيها؟ هل مناصب عمداء الكليات وصلت لمستحقيها أم لطالبيها ولاعبيها ومباحثيها؟ هل مناصب رئاسة الجامعات وصلت لمستحقيها كي نسأل عن الحق والمستحق . . أم وصلت لأهل
الثقة الأمنية ؟ هل الباشوات من وزراء مصر الجديدة وقصر العروبة وطريق المطار قاعدون على كراسي وصلت لمستحقيها؟ أم أنها جاءت لهم على الطبطاب نتيجة فلوسهم ونفوذهم وولائهم وشلتهم وتوكيلاتهم التجارية واستثماراتهم العائلية؟ هل رئاسة تحرير الصحف الحكومية وقنوات الدولة التليفزيونية وصلت لمستحقيها؟ هل أراضى الساحل الشمالي والجونة والقاهرة الجديدة والقطامية هايتس والتجمع الخامس وصلت لمستحقيها؟ أم تم توزيعها على أصحاب الحظوة والحصانة وتقسيم الأراضي على طريقة تقسيم الأنصبة بين صاحب الكرسي وصاحب الأرض وصاحب النصيب وصاحب صاحبه؟ هل قروض البنوك وصلت لمستحقيها ولا إلى ناهبيها ولاهفيها؟ لما هذه الأشياء تصل لمستحقيها يبقى يوصل الدعم لمستحقيه، ومن ثم لا ننهم غضبة رجال
أمانة السياسات على موضوع الدعم ورغبتهم في تعديله أو تغييره أو تغييبه أو تلطيشه أو إلغائه ، بينما لا تنفر عروقهم من أجل كل ما لا يصل في البلد لمستحقيه؟ وبصرف النظر عن أنها أساسا قضية كذوبة وثمانون في المائة من
المصريين يستحقون الدعم وتجوز عليهم الزكاة كمان ، ومن ثم حتى الحرامي اللعين الذي يسرق الدعم من زميله المستحق هو في الحقيقة – لو تأملت قليلا - يستحق الدعم أيضا، بل والله على ما أقوله شهيد، فإن حرامية الغسيل ونشالي الأتوبيسات وخاطفي شنط الستات وسلاسل البنات في الشارع يستحقون الدعم
فهذه السرقات لا تضمن في هذه الأيام كفاف العيش أو العيش الفينو وهذا لافت تماما للاهتمام (على الأقل اهتمامي) حتى أن السرقة في مصر لم تعد تكفى سد حاجة السارق وعيلته وعياله، طبعا أتحدث هنا عن الحرامية الصغيرين أمثال حسونة الأشرم وعليوة أبو شفتورة وكاكا الجن، ولا أتحدث عن لصوص أراضى مصر ولا بنوكها ولا بترولها ولا خصخصتها ولا فولها وبصلها. الشعب المصري لا يستحق الدعم فقط بل يستحق الشفقة ، والمدهش أن جمال مبارك ورجال أعماله ومحتكري سلع وحكم مصر الذين يديرون سياسة البلد الأن ويدقون الباب العالي بلجاجة وإلحاح كي يعبر مليونيرهم جمان مبارك إلى
سدة الحكم ، في هذا التوقيت الذي تفترض السياسة الفطنة والخبيرة لاستكمال التوريث أن يسعى جمال مبارك بل ووالده إلى أمرين :
أ- إرضاء أكبر شريحة اجتماعية في مصر، وتهدئة خواطر قطاع واسع من المصريين ، ثم ترضية وتطييب والضحك على عقول وجذب قلوب الجماهير من أجل أن يفوز بحبهم وينال أصواتهم .
2- الحرص على استقرار الشارع الجماهيري وسيادة الهدوء ووضع مراهم حريق على كل التهابات البلد من الصحافة للقضاء للمدرسين للأطباء للعمال للموظفين بفترة هدوء طويلة وفسيحة تسمح بانتقال مرن وسهل للتوريث.
وبينما توقع البعض الذكي أن يفعل جمال مبارك هذا بدعم من والده وأجهزتهما الأمنية الرفيعة والغليظة ، إذا بجمال مبارك من خلال حزبه وحكومته طايح في البلد إشعالا وإشغالا وإزعاجا واستفزازا، فماذا يعنى هذا؟ أقولك يعنى إيه؟
اـ إن الفريق الحاكم يعبر عن غطرسة شلة لم تعد تضع للناس اعتبارا ولا اهتماما.
2- أن مسئولي الحكومة والحزب ورجال النظام يمتلكون بعد ست وعشرين سنة حكما شعورا بالأمان الأمني والثقة المفرطة في قدرة الأجهزة على لجم مشاعر الناس.
3- لأن شلة محتكري الحزب والدولة لا تعتقد في قدرة الناس على الغضب، وإن غضبوا ح يهدوا بسرعة ، وان لم يهداوا سيعجزون عن عمل شيء، وان عملوا شيئا فهو محدود ومقدور عليه و أعلى ما في خيلهم يركبوه.
4ـ إن الجماعة مستعجلة جدا على تلبية طلبات السادة في واشنطن والبنك الدولي
والهيئات المالية الدولية للفوز بثقتهم وبمباركة خطوة نقل السلطة.
الحقيقة عندما يتحدث هؤلاء عن الدعم ومستحقيه يأتيني إحساس بأن هناك من لم يعد لديه أي إحساس)
- ومن جريدة الاهرام نقرأ لسلامة أحمد سلامة حول الغموض الشامل الذي يكتنف مستقبل مصر من كافة النواحي: (لا أظن أن أفق الرؤية في بلادنا يمكن أن يمتد الي عام2050, ولا أن يتجاوز ما نواجهه في الواقع الراهن من مشكلات التنمية والتحديات التي تؤثر علي الاتجاهات البيئية والاقتصادية والاجتماعية. وهي المشكلات التي تشغل الدول المتقدمة اليوم وتنعقد من أجله مؤتمرات تتقصي اشكال المستقبل المتوقعة, والخيارات المطروحة لعلاج مايترتب عليها.. فنحن غارقون في مشكلات آنية تتكاثر مثل الفطر, فلانكاد نحس بعجلة الزمن التي يحس بها العالم ويتأهب لمواجهتها.
فخلال الأيام الأخيرة صدر تقريران مهمان عن الأمم المتحدة. أحدهما عن التنمية البشرية عبرنا علي أرقامها ومعطياتها عبورا سريعا. والآخر عن التوقعات البيئية العالمية. وكلاهما ينذرنا بعالم متغير نتخلف عنه بمسافات ضوئية في قضايا التنمية والتقدم ونوعية الحياة..
وخطورة التقرير الثاني الذي شارك في اعداده مئات العلماء والخبراء أنه يقدم صورة مقلقة لما ينتظر العالم حتي سنة2050 ويثبت بأدلة جلية لا لبس فيها أن التغير المناخي يحدث نتيجة انشطة بشرية تؤدي الي كوارث تهدد بقاء الانسانية, اذا استمر ارتفاع درجة حرارة الأرض مابين درجتين وأربع درجات مئوية, مما سيؤدي إلي استمرار ارتفاع مستوي سطح البحر بفعل التمدد الحراري, وذوبان الغطاء الجليدي. بالتالي إلي غرق بعض المناطق الساحلية ودلتا الأنهار.
وتحتل افريقيا بالطبع مكانا بارزا في التقرير يتحدث عن انخفاض نصيب الفرد من الغذاء بنسبة12% بسبب التصحر والجفاف وتدهور التربة. وتأثير ذلك علي الغابات والأنهار. فضلا عن مشكلة النفايات التي جعلت من افريقيا مدفنا للمخلفات الاشعاعية والمواد الخطرة التي تلفظها الصناعات الأوروبية.
ومن هنا تبدو لهفة العالم علي علاج المشكلة بحلول مبتكرة تتصدي لانبعاثات الغاز الضارة, واستخدام تكنولوجيات نظيفة تقلل من تلوث الهواء.
أين نحن في مصر والعالم العربي من هذه الأخطار؟
لن يكون الأمر مقصورا علي احتمالات غرق الدلتا وجفاف نهر النيل وتملح التربة وعجز الموارد المائية.. ولكن التدمير البيئي الذي شهده العالم العربي في حرب الخليج ثم غزو العراق يوميء الي مستقبل مظلم لهذه المنطقة. خصوصا أن الجهود المبعثرة التي تبذلها الحكومات لدرء هذه المخاطر ومضاعفاتها, لم تخرج في معظمها عن الكلام وعقد المؤتمرات وانتظار مايجود به الآخرون من منح ومساعدات.
وبالرغم من وجود قوانين لحماية البيئة في معظم الدول العربية, إلا أنها في الأغلب غير مطبقة.. ولدي أقل المشاكل تعقيدا مثل السحابة السوداء, انتشار القمامة واختناق المرور في مصر, تقف الدولة حائرة مكتوفة الأيدي.. وهو ما دعا البعض الي التساؤل عن جدوي الحديث عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي, إذا كنا نعجز عن مواجهة السحابة السوداء واكوام القمامة؟ )
ونختم جولتنا من جريدة المصري اليوم حيث نقرأللدكتور عمرو الشوبكي الذي عقد مقارنة موضوعية بين الحزبين الحاكمين في كل من مصر وروسيا: (من المؤكد أن المقارنة بين تجربة دولة عظمي مثل روسيا، وبلد متوسط الحجم مثل مصر غير واردة في القدرات العسكرية والتكنولوجية والصناعية، ولكنها واردة إذا كنا سنقارن بين خبرات ونماذج وتحولات سياسية، فهو أمر وارد، لأنه ينتمي إلي هذا النوع من المقارنة بين نظم سياسية لديها قيود علي ديمقراطيتها وتتميز بالكفاءة والرؤية السياسية، وبين نظم أخري تبلدت في مواقعها وتوقفت قدراتها عند حدود إدارة العمل اليومي، حتي وصلت به إلي إدارة التسيب اليومي.
وفي الحالة الأولي تقع بلاد كثيرة منها روسيا، وتركيا قبل حزب العدالة والتنمية، وإيران حتي الآن، وماليزيا مهاتير محمد، وإندونيسيا، بجانب تجارب أخري في أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
أما الحالة الثانية، فتقع مصر في صدارتها، حيث عرفت نظاماً سياسيا ينتمي إلي نظم التعددية المقيدة كما هوالحال بالنسبة للنظم السابقة، ولكنه امتاز بأنه محدود الكفاءة، لا يحترم القوانين التي وضعها لنفسه، ولا توجد داخلة أي قواعد للمنافسة السياسية أو لتنظيم الخلاف السياسي أوللصعود المهني والمالي، ويتميز بعشوائية غير مسبوقة في تاريخ النظم السياسية في مصر والعالم.
وعرفت مصر نظاما اشتراكيا غابت عنه الديمقراطية السياسية والحزبية، وعرفت روسيا نظاما شيوعيا قضي علي الملكية الفردية وعلي الديمقراطية وارتكب في عهده ـ وتحديدا عصر ستالين ـ واحدة من أكثر جرائم الثورات الشيوعية بشاعة وقسوة، حيث جري تغيير جذري في طبيعة الدولة وفي العلاقات الاجتماعية، علي عكس النظام الناصري في مصر الذي احتفظ بكثير من قواعد الدولة المصرية، ولم يقض علي الملكية الفردية، وأسس لنظام سياسي جديد وليس لدولة جديدة.
حين قرر الرئيس السادات أن يحول مصر من الاشتراكية إلي نظام السوق الرأسمالية، شهدت البلاد بعض الاضطرابات التي بدا بعضها منطقيا نتيجة هذا التحول، وأصبح من المنتظر أن تستقر الأحوال في عهد الرئيس مبارك خاصة بعد توقفت الحروب المصرية الإسرائيلية منذ ٣٥ عاما، وبدا التحول من نظام شمولي إلي نظام ديمقراطي أمرا سهلا في ظل غياب تحديات خارجية وداخلية تذكر، وخاصة مع حدوث هذا التحول في كثير من دول العالم كالبرتغال وإسبانيا وروسيا ودول من أمريكا اللاتينية.
والحقيقة أن التجربة الروسية تبدو مثيرة في هذا الإطار، فرغم عمق التجربة السوفيتية التي استمرت من ١٩١٧ حتي ١٩٩١، إلا أن المرحلة الانتقالية المضطربة والفاشلة في روسيا لم تتجاوز ٨ سنوات، حين تولي الرئيس الراحل بوريس يلتسن الحكم في عام ١٩٩١ عقب استفتاء حصل فيه علي حوالي ٥٧ % من أصوات الناخبين.
وعرفت روسيا طوال عهد الرجل وضعا شبيها بالذي تشهده مصر حاليا، حيث شهدت البلاد انهيارا في مستويات المعيشة لمعظم السكان، وتدهوراً حاداً في مستوي الخدمات، وزيادة كبيرة في معدلات البطالة والفساد والتضخم، وأدي انحسار دور الدولة والوضع الاقتصادي المتردي، إلي ظهور الجريمة المنظمة، أوما يعرف بالمافيا الروسية التي تفوقت علي نظيرتها المصرية في درجة العنف، في حين تفوق الجانب المصري في البلطجة، وتساوي الجانبان تقريبا في درجة الفساد.
ورغم كل هذا الجهل الذي تمتع به يلتسن، فإنه حين شعر أن شعبيته قد انهارت حتي وصلت وفق أحد استطلاعات الرأي إلي ٢%، قرر الرجل ترك الحكم إلي الرجل القوي فلاديمر بوتين، وهو الأمر الذي لم تعرفه مصر منذ ٥٥ عاما.
وقد أعاد بوتين هيبة الدولة الروسية، وأجري إصلاحات في بنية جهازها الإداري وفي نظامه السياسي، وظل ضامنا استمرار حزبه في الحكم، بكفاءة أدائه وأداء النخبة التي تحكم معه، حتي لو وضع قيوداً أمام المعارضة، إلا أن حزبه تمتع بقدر من الشعبية، وامتلك الرجل حضورا محليا وإقليميا حقيقيا، أضفي قدرا كبيرا من الشرعية علي نظامه وحزبه الحاكم.
وحقق هذا الحزب «روسيا الموحدة»، الذي يتزعمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية التي جرت الأسبوع الماضي، وحصل علي ??.?% من الأصوات، أي ٣١٥ مقعدا من المقاعد الـ ٤٥٠ في مجلس النواب الروسي (الدوما)، وبغالبية تسمح له بتعديل الدستور، أما الشيوعيون فحصلوا علي ٥٧ مقعدا، والقوميون المتشددون ٤٠ مقعدا، وحزب روسيا الصحيحة ٣٨ مقعدا، وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات أكثر من ٦٠%.
وتعد هذه النتائج غير متداولة كثيرا في البلدان الديمقراطية، فعادة ما يفوز حزب حاكم أومعارض بنسب لا تتجاوز الـ ٥٥ % وإلا اعتبر هذا نصرا كاسحا واستثنائيا، أما في روسيا فهو أمر عادي، لأن الانتخابات السابقة التي جرت منذ ٤ أعوام حصل فيها حزب الرئيس علي حوالي ٦١ % من أصوات الناخبين.
والمؤكد أن هناك تجاوزات حدثت في هذه الانتخابات، وأبرزها انحياز الجهاز الإداري للدولة الروسية لحزب الرئيس، وهوأمر مشابه لما يحدث في مصر مع فارق رئيسي أن في الأولي هناك دولة وحزبا جادين، وبالتالي فإن الانحياز لحزب الرئيس يكون بالتصويت بكثافة له،
أما في الثانية فيكون بالتزوير لحزب الرئيس، فروسيا كباقي دول التعددية المقيدة ـ من إيران إلي فنزويلا ـ لا تعرف هذا التزوير المشين الذي نشهده في مصر، ولا يعاني الناخبون من اعتداءات مهينة كالتي يتعرض لها الناخبون والناخبات في مصر، حين يقرروا ممارسة عمل بطولي بالذهاب للتصويت في الانتخابات.
ويبقي الفارق الرئيسي بين حزب الرئيس في روسيا ومصر ليس في مساحة الحرية المقيدة المعطاة لقوي المعارضة، فالنظام السياسي الروسي لن يسمح بعودة الشيوعيين إلي الحكم أو وصول اليمين القومي المتشدد إليه، والمؤكد أيضا أن حزب الرئيس في مصر لن يسمح بوصول حزب الوفد إلي الحكم تماما مثلما لن يسمح للإخوان للمسلمين.
ولكن الفارق بين مصر وروسيا يكمن في كفاءة حزب الرئيس، وفي قدرته علي أن يكون حزباً له أهداف أخري غير البقاء في السلطة، ففي الحالة الروسية نحن أمام مشروع سياسي لحزب الرئيس، وجهاز دولة قوي يستعيد كل يوم عافيته بفضل هذا الحزب)
|
|
|