الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الرئيسية
البحث عن النقاء! ـ د. رفيق حبيب

هناك العديد من المواقف والأفكار التي تمنع وحدة الجماعة الوطنية، وتعوق بالتالي وحدة الأمة بكل مكوناتها. وربما لا تبدو بعض تلك الأفكار ظاهرة أو مؤثرة، ولكنها في الواقع تمثل عوائق اجتماعية أمام الوصول إلى وحدة الأمة بكل مكوناتها. وفي الكثير من الأحيان نركز على المواقف ذات التأثير السياسي أو الإعلامي، رغم أن المواقف ذات التأثير الاجتماعي تعد في تصورنا مهمة، وربما تكون أكثر أهمية. فالموقف الاجتماعي للفئات المكونة للأمة، خاصة من الأغلبية المسلمة والأقليات العددية غير المسلمة، تمثل في الواقع عاملا مؤثرا على مصير وحدة الأمة، وبالتالي على مستقبلها. ولأن أمتنا تقوم أساسا على الدين بوصفه القيمة العليا، لذا يعد الاختلاف في الدين واحدا من العوامل المهمة والمؤثرة على عملية الوصول إلى وحدة الأمة. فعندما يكون الدين هو الحكم الأعلى للحياة، يكون الاختلاف في الدين من القضايا المركزية. حيث يصبح من المهم التوصل إلى صياغات تجعل الاحتكام للدين في المجال العام مع وجود جماعات مختلفة في الدين، أمرا يحافظ على الهوية العامة وفي نفس الوقت يحافظ على الهويات الفرعية الخاصة، دون أي نوع من السجال أو المواجهة بين العام والخاص في المجال الديني. وهنا تبرز أهمية المواقف والأفكار الدينية والاجتماعية، لدى الأغلبية المسلمة، ولدى الأقليات العددية غير المسلمة. حيث كثيرا ما نجد أفكارا تحول دون التوصل إلى توافق بين غلبة الدين في المجال العام، مع وجود فئات تختلف في العقيدة. ولذا نرى ضرورة الاهتمام بهذه المواقف الاجتماعية، والتي تكون في العديد من الأحيان بمثابة الأرضية التي تؤثر على المجال العام، والتي تؤثر بالتالي على المجال السياسي، رغم عدم بروزها إعلاميا. وهنا تبرز فكرة الهوية الدينية، حيث يمثل الدين العنصر الرئيسي في الهوية، سواء للأغلبية المسلمة، أو الأقلية العددية غير المسلمة. وعندما يكون الدين ممثلا للهوية، أو العنصر الرئيسي فيها، نجد توجهات اجتماعية تبحث عن النقاء الديني، أو نقاء الهوية، ومن تلك التوجهات تبرز مشكلات اجتماعية حقيقية، تؤثر على وحدة الجماعة الوطنية ومن ثم وحدة الأمة.
نقصد بذلك أن البعض يرى أن الهوية الدينية تفترض النقاء والأحادية، أو إنها تمثل هوية لا يجوز أن تتعرض للاختلاط المؤدي إلى تشويه صورتها العامة. ويحدث هذا من قبل الأغلبية المسلمة والأقلية العددية غير المسلمة في آن واحد. فهناك أفكار اجتماعية تنتشر لدى فئة من الأغلبية المسلمة، ترى أن وجود المسيحي في المجتمع المسلم يجب أن يكون وجودا محدودا أو غير ظاهر، وأن ظهور هذا الوجود يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الملامح العامة للمجتمع الإسلامي. وهذه التصورات يأتي بعضها من التاريخ، ومن بعض الرؤى التاريخية في الفقه الإسلامي. وليس من الضروري البحث عن هذه الأفكار ومناقشتها تفصيلا، ولكن المهم البحث عن علاقة هذه الأفكار بالواقع الحالي. وتلك قضية مهمة، ففي بعض المراحل التاريخية كان هناك خوف ما من اختلاط العقائد وبالتالي اختلاط المواقف والتصرفات والسلوك، وكان من الضروري تأسيس المجتمع الإسلامي، والحفاظ عليه، وفي نفس الوقت وضع أسس له حتى لا يتحول إلى مسار غير مساره. وكانت تلك المواقف أحيانا ترتبط بدخول الإسلام حديثا إلى مجتمع جديد، وهو ما يعني أن التصور والسلوك الإسلامي يدخل على مجتمع له عاداته وربما عقائده، وهنا كان تركيز المسلمين على تأسيس المجتمع الإسلامي، وحمايته من أي تحولات، خاصة مع انتشار الإسلام في العديد من البلاد. وتلك الحالة تخص بداية تأسيس المجتمع الإسلامي، وهي مرحلة لها خصائصها، كما أنها تعني مراحل التحولات الكبرى والتي ترتبط أيضا بتأسيس التصور والفقه الإسلامي. ولكن انسحاب هذه الحالة على الواقع الراهن، يمثل موقفا متشددا ويعبر عن توجهات تتسم بالغلو. ففي الواقع الراهن نرى بعض التوجهات التي تعيش لحظة الدفاع عن النفس، وتشعر بأن الهوية الإسلامية مهددة، وبالتالي تأخذ العديد من المواقف المتشددة وربما المتطرفة، وهي التوجهات التي توصف بالغلو الإسلامي. وهذه التوجهات ترى أن هناك تهديدا لهويتها الدينية، ثم ترى أن ظهور غير المسلم في المجتمع وظهور معابده وكل ما يميزه، له تأثير سلبي على الهوية الإسلامية العامة للمجتمع. ولهذا نجد العديد من المواقف الدينية والاجتماعية، التي تريد عزل الأقلية العددية غير المسلمة، أو التغاضي عن وجودها ومحاولة جعل وجودها غير ظاهر، حتى لا تؤثر سلبا على الهوية الإسلامية للمجتمع.
وفي المقابل نجد مواقف من الأقليات العددية غير المسلمة، تمثل نفس الاتجاه السابق، ولكن من الجانب العكسي. حيث نجد بعض الجماعات المسيحية، تظهر بداخلها اتجاهات ترى أن الهوية الإسلامية العامة للمجتمع يمكن أن تؤثر عليها سلبا، وتجعل بعض ملامح الهوية الإسلامية تتسرب إلى داخل المجتمع المسيحي، وهو ما يجعل البعض يرى أن الانعزال الاجتماعي النسبي للجماعة المسيحية يمثل نوعا من الحماية لها. والبعض الآخر يرى أن الهوية الإسلامية العامة للمجتمع تؤثر سلبا على المسيحيين، ولهذا يرى أن الهوية العلمانية العامة، والتي تجعل المجال العام ليس له هوية دينية، هي نوع من الحماية للهوية المسيحية بين المسيحيين. ومعنى هذا أن يكون المجال العام علمانيا، وتحافظ كل جماعة على هويتها، سواء الجماعة المسلمة أو الجماعة المسيحية، وهو ما يعني أن المجال الديني والاجتماعي سوف ينفصل عن المجال العام تماما. وتصبح الدولة في الواقع ممثلة لمنظم لا يعبر عن المجتمع، وليس لها أن تتدخل في شئون الجماعات الدينية. وهنا تصبح هوية المجال العام غير معبرة عن المسلم أو المسيحي، وتبقى مجرد هوية محايدة بينهما.
والحقيقة أن هذه المواقف لا تناسب الحقيقة الواقعية، فالمجتمع الإسلامي أصبح مستقرا منذ عقود، والهوية العامة استقرت بملامحها الإسلامية الأساسية. والمسيحي عاش في هذا الإطار الإسلامي ولم تتأثر هويته الخاصة، بل أن الهوية العامة أصبحت معبرة عن الجميع، وباتت تحافظ على الهويات الفرعية. ولم يعد هناك تهديد للهوية الدينية العامة أو الخاصة، فلم يعد وجود المسيحي مهددا لإسلامية المجتمع، ولا إسلامية المجتمع مهددة لتميز الهوية الدينية للمسيحي. أعني بهذا أن تلك المواقف التي تهدف للدفاع عن الهوية، ليست نتاج واقع عملي، بل هي نتاج الشعور بوجود تهديد للهوية. وهو شعور يتزايد في مراحل الأزمات. والخروج من هذا الموقف هو بتأسيس وحدة الجماعات الوطنية، ومن ثم وحدة الأمة. والخروج من حالة الدفاع عن النفس، إلى حالة الوحدة والتضامن، في مواجهة تحديات العدوان الخارجي وتحديات النهوض الحضاري.