الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
التربية على حقوق الإنسان ـ د. عبدالفتاح ماضي

د. عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 3 - 6 - 2007
لا شك أن هناك اهتماما متصاعدا بالتربية على حقوق الإنسان والبحث في القضايا المتصلة بها في الدول العربية. ويظهر هذا جلياً في إدراج مقررات عن حقوق الإنسان في كثير من برامج التعليم الجامعي وما قبل الجامعي، وفي عقد الكثير من ورش العمل والمؤتمرات، وإصدار الكثير من الكتب والدراسات والرسائل العلمية ذات الصلة، واهتمام بعض المنظمات الحقوقية ببرامج التربية على حقوق الإنسان.
غير أن برامج التربية على حقوق الإنسان لا تزال في مراحلها الأولى فعلى الرغم من وجود خطط وطنية في بعض الدول العربية إلا أن معظم تلك الخطط يعاني من انفراد السلطة بوضع معالمها كما الحال في مصر مثلاً، كما يعاني بعضها الآخر من هيمنة ثقافة أجنبية كما في لبنان والجزائر. وتكاد الأطراف ذات الصلة مثل الجامعات والمنظمات الحقوقية العاملة في مجال حقوق الإنسان مستبعدة تماماً في هذا الصدد. هذا فضلاً عن ضعف التنسيق بين الجامعات والمنظمات الحقوقية العاملة في مجال حقوق الإنسان نظراً للقيود الإدارية والأمنية على الجامعات والأنشطة الطلابية.
وتفتقد معظم مقررات حقوق الإنسان المصداقية أمام الطلاب والمتدربين في جُل الأقطار العربية. فهناك تناقض واضح بين خطاب السلطات الحاكمة المُنادي بتعزيز ونشر ثقافة حقوق الإنسان وبين الانتهاكات التي ترتكبها السلطات ذاتها في مجال حقوق الإنسان داخل الجامعات وخارجها. كما تتجاهل معظم مقررات حقوق الإنسان القضايا المتصلة بحقوق الإنسان في الواقع المعاش، وتتجاوز الدور التي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية في نشر ثقافة حقوق الإنسان ومواجهة انتهاكات حقوق الإنسان. بل إن بعض السلطات تُوظف مقررات حقوق الإنسان للترويج لأفكارها وبرامجها، وتستخدم مسألة العالمية والخصوصية وموقف بعض الحركات الإسلامية منها لضرب هذه الحركات ووصفها بالرجعية ومعاداة الحداثة ومن ثم استمرار هيمنة السلطات على الجامعات والمقررات، واستمرار تهربها من التمسك بالحقوق الأساسية للإنسان داخل المجتمع.
ولا شك أن هذا كله نتاج لعدم استفادة الحكومات من النتائج التي توصلت إليها بعض الأطروحات العلمية ومقررات وتوصيات الكثير من المؤتمرات وورش العمل التي تعقدها المنظمات الحقوقية وبعض المراكز البحثية. إن جُل جهود التطوير الحكومية تتجه دوماً إلى التجارب الأجنبية بغرض محاكاتها مباشرة دون ربطها باحتياجات المجتمع أو بأوضاعه الداخلية. هذا فضلاً عن عدم تعاون الحكومات مع المنظمات الحقوقية الدولية وتشكيكها الدائم في نواياها وأهدافها. وقد انعكس هذا على المؤسسات التابعة للدولة كالجامعات التي أضحت غير قادرة على التواصل مع تلك المنظمات والانفتاح على أنشطتها.
أما القيود التي تضعها السلطات على الحريات الأكاديمية في الجامعات والمؤسسات العلمية والبحثية، وأمام الأنشطة الطلابية في الجامعات فتمثل عقبة خطيرة أمام الأكاديميين والباحثين العرب. إن سيطرة الدولة من خلال أجهزتها الإدارية والأمنية على مقدرات الأمور داخل المؤسسات التعليمية يحول دون قيام تلك المؤسسات بأدوارها الأساسية في نشر الثقافة والوعي وفي التأثير في وجدان الطلاب وأنماط سلوكهم، ويفضي إلى ظواهر سلبية مثل اهتمام بعض أساتذة الجامعة بإرضاء السلطة سعياً وراء مناصب إدارية أو سياسية أو مكاسب مادية أو معنوية.
وفوق ما تقدم فثمة تناقض بين المقررات التي تقدمها بعض الجامعات العربية مع المعايير المتعارف عليها في مقررات حقوق الإنسان بالجامعات الكبرى في العالم من حيث مضامين المقررات، وتعدد الرؤى الفكرية والمقاربات المنهجية، وطرق التدريس، ووسائله. فهناك رؤى فكرية مستبعدة – العلمانية عند الإسلاميين والمنظور الإسلامي عند العلمانيين – وهناك موضوعات غير مطروحة مثل الانتهاكات العربية لحقوق الإنسان أو الاعتداءات التي تقوم بها الدول العربية ضد بعضها البعض أو الموضوعات التي يعتقد البعض أنه لا من غير الممكن مناقشتها لأسباب دينية أو أخلاقية. كما أن جل المقررات تعتمد على كتب مدرسية جافة تحتوي على جوانب معرفية فقط دون أي أنشطة عملية تدريبية. أما أساليب التدريس فتستند إلى التلقين المباشر دون أن تمتد لتشمل أساليب تستهدف التأثير في القيم والوجدان والسلوك أو تشجع على التفكير النقدي. كما لم تحاول معظم تلك المقررات أن تتواءم مع الجوانب المختلفة لتلك الحقوق والواجبات في أفرع المعرفة المختلفة من طبيعية واجتماعية وإنسانية.
إن مواجهة تلك الإشكاليات يتطلب من السلطات الحاكمة الكف عن انتهاكات حقوق الإنسان وتطبيق مبدأ حكم القانون بشكل فعلي وبلا تمييز على أساس ديني أو مذهبي أو قبلي أو ما شابه، ورفع كافة القيود المفروضة على العمل السياسي والأهلي والطلابي. كما تحتاج منظومة التعليم بأكملها إلى تطوير جذري بحيث تسمح بالحد الأدنى التي تتمتع به جامعات العالم المتقدم، وذلك من خلال ضمان الحريات الأكاديمية، وتعزيز مكانة الأستاذ، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للمشاركة الفعالة في الأنشطة الطلابية، وإزالة العقبات الإدارية والأمنية أمام البحث العلمي ورفع ميزانيات البحث العلمي والجامعات.
وأخيراً فإن أي خطة قومية للتربية على حقوق الإنسان لابد أن يشارك في وضعها كل الأطراف ذات الصلة كوزارات التعليم والثقافة والبحث العلمي والجامعات والمنظمات الحقوقية والقوى السياسية، ولابد من أن تحتوي على آليات محددة لضمان استمرار التنسيق بين كافة الأطراف المشاركة في برامج التربية على حقوق الإنسان. ولا مناص من أن تؤسس تلك الخطة لتأصيل قيم حقوق الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية، وتنفتح على المنظمات الدولية الحقوقية وتتواصل مع برامجها في مجال حقوق الإنسان. ولكي تكتسب تلك الخطة المصداقية لابد أن تربط مقررات حقوق الإنسان بالقضايا التي تمس المواطنين في واقعهم المعاش وفي أعمالهم وتخصصاتهم المختلفة. هذا فضلاً عن التأكد من كفاءة القائمين على التدريس واستمرار مواكبتهم لأحدث طرق التدريس الفعال والأدبيات ذات الصلة بحقوق الإنسان.

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
وهل تعتقد انه سيتم تدريسها فعلا
على مرسي | 6/4/2007 3:50:01 AM
اعتقد انه سينطبق عليها ما ينطبق على مادة الدين ، لا مدرسين ، لا امتحانات ، وان كانت فالكل ناحج لان نتيجتها لا تدخل في المجموع ، والاهم من كل هذا التطبيق هل في ظل الاوضاع الحالية من الممكن تطبيقها