|
|
|
|
مجالات التجديد الديني ـ د. عبدالفتاح ماضي
|
| المصريون : بتاريخ 21 - 7 - 2007 |
يعد الجمود العقلي والانغلاق الفكري وثنائية التفكير القطعي من أخطر آفات مجتمعاتنا العربية، فهي جميعها من دواعي اليأس وخور العزيمة وتثبيط الهمم وشق الصفوف، وبالتالي هي الأساس لأي تخلف فكري وحضاري. ومن هنا يظل موضوع "التجديد الديني" أحد الجوانب الهامة لعملية الإصلاح الشاملة التي تحتاجها تلك المجتمعات لمواجهة مجمل التحديات التي تعاني منها في الوقت الحالي. لقد مارس المسلمون الأوائل آلية الاجتهاد والتجديد في أمور كثيرة تتصل بالعبادات والمعاملات فاستطاعت شعوب كثيرة الدخول في الإسلام والتأقلم مع مبادئه الأساسية وقيمه العليا. واستمر الإجتهاد حتى استقرت عدة مذاهب صارت مذاهب شبه رسمية للمسلمين من الصين والهند شرقاً حتى المغرب والأندلس غربا. واليوم وبعد ما يربو على نصف قرن من إنقضاء الاستعمار تواجه مجتمعاتنا الكثير من التحديات التي تجعل من الشروع في التجديد أمراً ضرورياً ولازماً للنهوض واللحاق بركب الحداثة والمدنية. وهنا يمكن تصور ثلاث ضرورات لذلك التجديد. وهذه الضرورات تحدد - في ذات الوقت - أبرز المجالات التي على المجددين التطرق لها. الضرورة الأولى ضرورة شرعية يُحتمها الشرع الإسلامي ذاته، وهي تتصل بضرورة مواكبة الفقه الإسلامي لمتغيرات الزمان والمكان، أي إعمال العقل في التحديات التي تواجه مجتمعاتنا على نحو يحافظ على- بل وينطلق من - المبادئ الإسلامية الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وينفتح على منجزات العصر ومكتسباته الفكرية والمادية، ويتجاوز الموروثات الدينية التي تراكمت على تلك المبادئ دون أن تكون جزءاً منها. وعملية المواكبة تلك تثبت ما يؤمن به المسلمون من أن دينهم دين عالمي يصلح لكل زمان ومكان وينظم حياة أتباعه وعلاقاتهم في المجتمع، كما أنها تبرر المكانة التي شاء الخالق عز وجل أن يضعها للعقل والعلم والعمل في الإسلام. أما الضرورة الثانية فهي ضرورة عملية داخلية تقتضيها الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات العربية، لعل أبرزها تحديات ثلاثة، أولها ما يعرف بجدلية "الدين والسياسة"، أي ما تعانيه المجتمعات العربية من إشكالية كبرى في شأن العلاقة بين الدين والسياسة، أو بين ما هو "ديني" وما هو "سياسي". فمع غياب الحريات وشيوع الاستبداد تخلف الفقه المتصل بالسياسة وعمران الأرض عن ملاحقة المستجدات والمتغيرات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية، وظهر التناقض بين الدين وبين بعض مقتضيات العصر. ولذا فمن أبرز أولويات التجديد هو تطور الفقه السياسي وإنزال الأحكام الكلية على الواقع السياسي المتغير للمجتمعات. إن شيوع صالونات الفكر ومنتديات الحوار في العواصم الأوروبية الكبرى في القرنين 18 و19 أدى إلى ترسيخ القيم الليبرالية والديمقراطية في أوروبا، وهذا ما أسماه المفكر الألماني هابرماس بالفضاء العام، أي المجال الذي سمح بانتشار الفكر الليبرالي والديمقراطي بعد قرون من الجمود والتخلف في العصور الوسطى.. أما التحدي الثاني فيتصل بما يمكن تسميته "جدلية الدين والمدينة". فتراجع مؤشرات التنمية البشرية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية والتعليمية والبيئية في تلك المجتمعات يحتم على نخبها الفكرية والسياسية المضي في عمليات إصلاح شامل. ويقع على عاتق التجديد الديني، على وجه الخصوص، مهمة إعادة التوازن بين عالم القيم والمثل والأخلاقيات من جهة، والأوضاع والظروف التي يعيشها الناس أفراداً وجماعات من جهة أخرى. ويتمثل التحدي الثالث في واقع التجزئة والفرقة التي تعيشها المجتمعات العربية، التي هي من موروثات الحقبة الاستعمارية. لقد أدت التجزئة إلى آثار سلبية عديدة منها: تحول الإقليم العربي إلى دول مصطنعة ضعيفة لا يتمتع معظمها بمقومات الدولة المعاصرة، التبعية الاقتصادية الخبيثة، بروز مشكلة هوية وما ترتب عليها من مشكلات قبلية وعرقية ومذهبية، وتصاعد مشكلة الغزو الثقافي. هذا فضلا عن وقوع تلك "الدول-الأقاليم" تحت نفوذ القوى الكبرى، ومعاناتها من سياسة المعايير المزدوجة التي تمارسها أمريكا في حق الشعوب الضعيفة. إنّ مواجهة التجزئة وآثارها لا بد أن تشكل محوراً أساسياً من محاور عميلة التجديد بمفهومه الواسع، من خلال امتداد الفقه وعمل العلماء والفقهاء إلى كل ما من شأنه التقريب بين المذاهب المختلفة، وإلى العمل على استعادة ثقافة سياسية واحدة لكل المجتمعات العربية والإسلامية، والاجتهاد في كل ما من شأنه الدمج بين عوامل القوة المختلفة التي تتمتع بها تلك المجتمعات، وتفعيل وإنشاء كل الآليات الكفيلة بالتقريب بين الشعوب والدول. أما الضرورة الثالثة فهي ضرورة عالمية تستوجبها علاقات المسلمين بغيرهم من الشعوب وتفاعلهم مع منجزات الحضارة المعاصرة. إن التجديد الديني وما يرتبط به من تجديد مجتمعي وسياسي لا بد أن يرتبط بما يسميه البعض البحث عن "بديل حضاري"، أي لابد أن يشتمل على علاقة المسلمين بغيرهم ودورهم الحالي في الحضارة الإنسانية. هذا فضلا عن ضرورة العمل على مشاركة بقية قوى العالم في رفض مساوئ العولمة والغزو الثقافي عن طريق التمسك بالهويات الوطنية، والنضال ضد قوى الإحتلال والهيمنة في كل البقاع المحتلة من العالم. إن بإمكاننا -إن امتلكنا إرادة التغيير ودافع العمل وسمة المثابرة- أن نسهم في الحضارة الإنسانية المعاصرة وأن نشارك في حل المعضلات والمشكلات المثارة في عالمنا المعاصر. • قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية. www.abdelfattahmady.net
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|