الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الرئيسية
امتحان المعبر ـ د. رفيق حبيب

د. رفيق حبيب : بتاريخ 5 - 2 - 2008
جريمة حصار قطاع غزة، والتي أدت إلى اقتحام معبر رفح من الجماهير الفلسطينية، تمثل لحظة امتحان صعب للنظام السياسي المصري، وكذلك للسلطة الوطنية الفلسطينية، والنظام السياسي العربي برمته. وهذه اللحظة كشفت عن العديد من الحقائق المهمة، عن النظام السياسي الحاكم، ووضعته أمام تحديات جديدة، تتطلب منه مواقف مختلفة وسياسة مغايرة، تتمشى مع الوقائع على الأرض. فهل نجح النظام السياسي الحاكم، خاصة المصري في الامتحان؟ حتى نعرف الإجابة، علينا تحليل دلالات لحظة اقتحام المعبر. فهذه اللحظة كانت لحظة الفعل الشعبي بامتياز، فقد اقتحم سكان عزة المعبر بعد تدميره، وخلقوا بهذا وضعا جديدا، فلم يفتح المعبر بقرار سياسي من الحكومة المصرية، ولكن الحكومة وجدت المعبر مفتوحا، والناس تتدفق منه، وكان عليها أن تحدد رد الفعل، دون أن يكون عليها مسئولية الفعل. وفي نفس الوقت، وقبل عملية اقتحام المعبر، كانت القوى السياسية المصرية تنظم فعاليات ومظاهرات في الشارع المصري، تطالب بفتح المعبر، كما نظمت القوى الشعبية والسياسية قوافل إمدادات لقطاع عزة. وبهذا تشكل موقف عام في الشارع المصري، يطالب بفتح المعبر، ويقدم المساعدات بجهد شعبي. وقامت جماعة الإخوان المسلمين مع القوى السياسية الأخرى، بجهد واضح في تحريك الشارع المصري، والقيام بالمظاهرات وجمع المساعدات. وفي البداية وقف النظام المصري موقفا متشددا من جماعة الإخوان، وبدأ حملة اعتقالات، كما أنه لم يفتح المعبر أمام دخول المساعدات قبل اقتحامه، بل أنه رفض فتح المعبر عندما حاول سكان عزة الدخول منه، قبل تدمير الجدار. وبهذا لم يتفاعل النظام المصري مع مشكلة قطاع عزة، وفضل الامتثال لالتزاماته أمام إسرائيل والإدارة الأمريكية، على التزاماته أمام الرأي العام المصري، وعلى التزامه العربي والإسلامي، بالإضافة لالتزامه تجاه الأمن القومي المصري، والذي تمثل غزة بوابته الأولى.
ولكن عندما فرض الواقع نفسه على النظام السياسي المصري، وقدم له المبرر والعذر، قبل النظام المصري عملية تدفق سكان غزة إلى رفح والعريش، ولكنه ظل يحاول وقف التدفق ثم يتراجع، حتى يتمكن من السيطرة على المعبر. وفي المقابل ظلت أجهزة الأمن تعرقل قوافل الإغاثة حينا، وتسمح بها أحيانا، دون موقف ثابت. وكأن النظام أراد التعامل مع الواقع، ولكنه لم يستطع التجاوب لهذا الواقع، فظل يحاول التكيف معه على استحياء. وهنا ظهر تباين في مواقف الأجنحة المختلفة للنخبة الحاكمة، حيث ظلت بعض تلك الأجنحة تهاجم الفلسطينيين وحركة حماس، وترفض بشدة فتح المعبر، وكانت تلك الأجنحة تتوافق بالكامل مع الموقف الإسرائيلي والأمريكي، ولكن أجنحة أخرى، خاصة مؤسسة الرئاسة، ظلت تحاول خلق موقف متوازن لها، يقوم على فكرة المسئولية الإنسانية تجاه الشعب المحاصر. ولكن الموقف المصري الرسمي لم يتغير فعليا، وتلك هي القضية المهمة، فلم يعيد النظام المصري دراسة مواقفه على أساس الواقع الجديد الذي خلقته القوى الشعبية، بل تغير موقفه اللحظي فقط، وهو ما ظهر بعد ذلك في المحادثات التي أدارها النظام المصري مع الأطراف الفلسطينية، لأن الحكومة المصرية كانت تملك وسائل للضغط على كل الأطراف، لأنها تملك في النهاية قرار فتح المعبر، على أساس أنه بوابة على الحدود المصرية، والتي يفترض أنها تملك السيادة الكاملة عليها. وهنا ظهر ما يسمى بالالتزامات الدولية لمصر، في مواجهة الالتزامات الشعبية والعربية والإسلامية، وظهر أن الالتزام الدولي هو الأقوى بالنسبة للحكومة المصرية، على أي التزام آخر. وتلك في تصرونا المشكلة الرئيسية للنظام السياسي المصري، أنه لا يوازن بين معطيات الواقع المتنوعة، ولكن يستسلم للمعطيات المفروضة عليه من الخارج، دون المعطيات المفروضة عليه من شعبه.
وعندما نقيم الحدث المهم الذي جرى على معبر رفح، سنجد أن موقف سكان غزة استطاع خلق واقع جديد، وهذا الواقع لا يمكن التغاضي عنه، ولا يمكن العودة إلى الوراء، ولا يمكن فرض شروط على سكان القطاع، ولا على القوى السياسية الممثلة لهم، مثل حركة حماس، ولا على قوى المقاومة ومنها حركة حماس والجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية والجناح المقاوم من كتائب الأقصى وغيرهم. ونقصد من ذلك، أن لحظة اقتحام المعبر غيرت الواقع الفعلي على الأرض، وهذا الواقع لا يمكن عودته لما قبل الاقتحام. والحكومة المصرية تعاملت مع لحظة فتح المعبر باعتبارها لحظة مختلفة، ولكنها تصورت إمكانية التغاضي عن هذا الحادث بوصفه حادثا استثنائيا، ثم تعاد الأمور إلى ما كانت عليه. ولكن حركة حماس أوضحت بشكل قاطع، باستحالة عودة الأمور لما كانت عليه، أي ابتزاز المقاومة من خلال قتل شعب غزة. وهنا نلمح مشكلة النظام المصري الحاكم، لأنه لم يستطع التعامل مع هذا الوضع الجديد على أساس أنه أصبح واقعا مستقبليا ومستمرا، رغم أن الواقع الجديد قدم للنظام المصري العديد من الأوراق التي يستطيع بها فك ما يتعرض له من حصار، حيث أصبح في الواقع هو صاحب القرار في فتح المعبر، وقادرا على ممارسة الضغط على جميع الأطراف، وبالتالي قادر على لعب دور مهم في المسألة الفلسطينية برمتها، بعد أن تضائل دوره في الفترة الأخيرة. بهذا أصبح أمام النظام المصري قدر من حرية الحركة، وهي أفضل له من بقائه رهن المطالب والشروط الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك سقط النظام المصري في الامتحان، ولم يستفد من هذه اللحظة التاريخية المهمة، حتى يوازن بين الضغوط الشعبية والمسئوليات العربية والإسلامية، وبين الشروط والضغوط الخارجية. وهذا في الواقع أمر غريب، فلم يطلب أحد من النظام المصري تغيير كل سياساته، ولم يطالبه أحد بترك مقاعد الحكم، فكل ما طلب منه في هذه اللحظة المهمة، هو أن يوازن بين مقتضيات الواقع، ويضع لضغط سكان غزة والضغط الشعبي المصري، والضغط الشعبي العربي، اعتباره في حساباته. خاصة وأنه يملك فرصة تلبية المطالب الشعبية لأنها إنسانية وضرورية، وهو ما يسمح له بتحسين صورته أمام الجماهير، وتوسيع هامش حريته أمام الضغوط الخارجية. ولكن عدم تغيير النظام الحاكم لمواقفه في هذه اللحظة المهمة، والتي جاءته دون أن يصنعها، وعدم استفادته من هذه الضغوط التلقائية لتحسين وضعه داخليا وعربيا ودوليا، يؤكد على أن النظام لم يعد حتى يمارس السياسة، وأنه تحول إلى جهاز أمني فقط، يفكر من خلال فكرة السيطرة الشاملة، وفي السياسة لا توجد سيطرة شاملة، بل توجد مساحات للحركة والمناورة. وفشل النظام في الاستفادة من مساحات الحركة والمناورة التي تتاح له، ينذر بمخاطر الاستخدام المفرط للأمن، في أي امتحان شعبي آخر يواجهه النظام.
على الجانب الآخر، ظهر جليا أن ما قامت به جماهير غزة وحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة، وما قامت به القوى الشعبية والسياسية المصرية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، مثل الفعل الصحيح في اللحظة المناسبة، فهو الفعل الذي خلق واقعا جديدا، وأصبح على كل الأطراف الشعبية المحافظة على هذا الوضع الجديد، والذي يربط مصير قطاع غزة بمصر، لتصبح مصر طرفا أصيلا في القضية الفلسطينية، وليست مجرد طرفا محايدا.

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
تعدد مراكز صنع القرار
د. أيمن | 2/6/2008 2:09:51 PM
أضف إلى ذلك - وهو خطير - تعدد مراكز القرار الذي ظهر جليا في هذه الأزمة. والأخطر جرأتها في نقض قرارات الرئيس بوضوح على غير العادة من "تنفيذ توجيهات الريس". فإذا كان هذا يحدث أثناء حياته.. فهل تتخيل الحال حين شغر هذا المنصب وبلا بديل دستوري واضح؟
التحرك الشعبي المصري لم يكن على نفس مستوى اهل غزة
على مرسي | 2/6/2008 9:43:37 AM
التحرك الشعبي المصري كان ضعيفا كالمعهود في السنوات الاخيرة ولو كان على نفس وتيرة الانفجار الغزاوي لتغيرت اوضاع كثيرة ، لذا اسرعت قوى الطابور الخامس لتشويه الموقف الايجابي الواقعي اللحظي للرئيس وذلك بدعاءات كاذبة او هامشية واخذوا يصوروا لنا حماس وكأنها قوة عظمى معتدية سوف تحتل مصر وان صواريخها سوف تصل القاهرة كما ادعت بذلك بعض الصحف الاسرائيلي والامريكية وجرت على منوالها بعض الصحف المصرية التي تحركها امريكا ، لو تحركت الحكومة بسرعة لتنظيم فتح المعبر ولم تشارك في حصار اهلنا في غزة ما حدث اية تجاوزات او ادعاءات بالتجاوزات ولكن نحن دائما نتأخر في اتخاذ القرار السليم . وكما قال الدكتور رفيق كانت فرصة نادرة لمصر ان تغيير من القيود المفروضة عليها نتيجة المعاهدات المجحفة التي ارتبطت بها مع اسرائيل وامريكا ولكن سقطت في امتحان الدور الثاني كما سقطت من قبل في موضوع حذف جزء من المعونة الامريكية المسمومة
من اروع ماقرأت
ابراهيم | 2/6/2008 6:48:29 AM
تحليلك استاذى الفاضل من اروع ماقرأت ولقد رسب النظام بجداره وهذا كان متوقع منه فلقد اثر النظام ان يكون تابعا لمن يتلقى منه الاوامر ورفض افضل فرصه جائته على طبق من ذهب كان بامكانه ان يستعيد هيبته التى القاها تحت ارجله وكان ممكنا ان يستعيد حب الشعب وثقته وكان ايضا بامكانه ان يستعيد خيوط الامور ويصبح له كلمه فى المنطقه ولكنه فضل العكس ليكون مجرد كرزاى جديد فى المنطقه
معبر الامتحان
محمد الشيخ | 2/6/2008 5:07:02 AM
احيي الرجل الحر الدكتور رفيق هذه الانظمة يا دكتور في المنطقة العربية تكاد ان تكون مستنسخة كالنعجة دولي وهذا ما يؤكد تبعيتها للمستنسخ فهم اناس لا حول لهم ولا قوة ولا راي. وفي اي مرحلة كانت الانظمه العربية تمثل جماهيرها يا دكتور .ما نراه تماما هو الدكتاتوريات باشكال مختلفة وما يهم الحاكم العربي لم يكن يوما الشعب والامن القومي .امن السلطة وتداول الاموال اهم من تداول السلطة واهم من تحقيق تطلعات الجماهير الحكم في مصر فشل في استثمار ما حدث لانه لا يمثل مصر ولا شعب مصر والنجاح الذي حقققه الاخوان وحماس شيء بديهي فهؤلاء الناس جزء من الامة بل هم الجزء الحقيقي الذي يمثل مصالحها وتطلعاتها وهذا الجزء ممنوع علميا من ان يمثل مصالح الامة لانه سيقطع يد امريكا وسيعيد لمصر دورها القومي الاسلامي الذي سلبته منها معاهدة الذل في كامب ديفيد لكن الظلم لن يدوم وغدا سيتحرك اهل مصر كما تحرك اهل غزة
أين الزعيم الدكر؟
محمد سامي فرج | 2/6/2008 4:30:43 AM
التاريخ على مر الدهر لم يعرف إلا القليليين من الرجال أصحاب القدرة على اتخاذ القرار الشجاع وتحمل تبعاته ، رجال لم يخضعوا إلا لمبادئهم وإيمانهم الراسخ بقضاياهم وشعوبهم ..رجال تحركهم وتقودهم الكرامة والعزة والشهامة والمروءة ..رجال يعبرون عن نبض شعوبهم وينتمون إليهم.. رجال ليس لديهم حرص على الدنيا وأطماعها ، رجال ليس عليهم زلات وأخطاء تجعلهم عبيد لقوى الشر والاستعمار.. فهل حكامنا تنطبق عليهم هذه الصفات؟؟؟؟ .. نريد زعيم دكر(كما يقول أهل البلد) قادر على اتخاذ القرار الشجاع
فليقرأ العلمانيون والموتورون
عبدالمنعم | 2/6/2008 3:25:33 AM
ليت المرجفين في المدينة من العملاء والأذناب وعباد الكراسي وأصحاب الكروش والسلطان يقرؤون هذه التحليلات القيمة العميقة ويشتغلوا سياسة صح بدلا من البكاء والعويل والصراخ على أمن مصر القومي والسيادة المصرية والغزو الفلسطيني لمصر واخر الترهات.. ليتهم يزيلون الغشاوة عن أعينهم وسوء الظن من عقولهم والخوف من قلوبهم فينطقوا بكلمة الحق: (وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر). وأذكر الكتاب والصحفيين الذين ينفخون في الرماد ويؤلبون النظام على حماس لتصفية حسبابات سياسية مع الاخوان وغيرهم ان القضية اكبر من ذلك انها قضية مصير وامن قومي حقيقي مهدد من قبل الصهاينة المجرمين وليتذكروا قول القائل: ومن من كاتب الا سيبلى ويبقي الله ماكتبت يداه فلا تكتب يمينك غير شيء يسرك في القيامة ان تراه. وصدق الله: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
أوافقك 000000 00 فقط بشرط 000
دكتور / عبد العزيز أبو مندور | 2/6/2008 2:35:15 AM
كلام عشرة على عشرة كما يقول المدرسون00000 000 فقط بشرط 000 أن تأتى مساحات الحركة والمناورة باقتحام الجدار العازل 000 وعودة القدس المحتلة وكل حقوق الشعب الفلسطيني الباسل 000000 يا دكتور رفيق ! 000 ألا تعلم أن الصهيوبيين يلعبوا فى السياسة بمهارة تفوق أحيانا لاعبي كرة القدم 000 صحيح 00 ليسوا أمهر من أبو تريكة 000 محمد 000 فى صراحته 0000 00 وتغزيله 00000000 000000000000000000000000000 لكنهم 00- لا يقلوا عن مهارة بوش الصغير فى خبثه 00000 ومخادعاته 000 وتدجيله 000 0000000
أستاذ
مصطفى | 2/6/2008 12:28:40 AM
حقيقةأستاذ فى فكرك وفى تحليلك....سلمت يمينك
تحليل رائـــع كالعادة
أبو ياســـــــــر | 2/6/2008 12:04:06 AM
قول سيادتكم "وفشل النظام في الاستفادة من مساحات الحركة والمناورة التي تتاح له، ينذر بمخاطر الاستخدام المفرط للأمن، في أي امتحان شعبي آخر يواجهه النظام" يفكرني بالتلميذ البليد الذي يسقط بجدارة في أي امتحان حتى لوأعطوه ورقة بها الإجابة النموذجية لأنه لايستمع لأي أحد غير عقله الغبي. "وينطبق عليه المثل علم في المتبلم...."
عمق التحليل وصدق الكلمات
د. عادل شلبي | 2/5/2008 6:59:11 PM
د. رفيق حبيب بارك الله في صدقك وموضوعيتك وحرصك الدائم علي مصلحه امتك فشكرا لك علي هدا التحليل العميق لما حدث في معبر رفح ولكنني اظن أن المرحله القادمه تتطلب أيضا الأستمرار في الضغط الشعبي لعله في يوم من الأيام يفوق الضغوط الدوليه الأستعماريه فتنحاز القيادات السياسيه في منطقتنا لما هو في صالح شعوبها وثانيه شكرا لك علي هدا المقال العميق الرائع.