الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الرئيسية
هل الطغيان صناعة مصرية ؟! (1-2) ـ د.سعيد إسماعيل على

د.سعيد إسماعيل على : بتاريخ 14 - 5 - 2008
صدّر توفيق الحكيم الفصل الرابع والعشرين من رائعته " عودة الروح " بنص نسبه إلى أثرى فرنسى يقول متحدثا عن مصر : " أمة أتت في فجر الإنسانية بمعجزة " الأهرام " لن تعجز عن الإتيان بمعجزة أخرى 00أو معجزات !00 أمة يزعمون أنها ميتة منذ قرون ، ولا يرون قلبها العظيم بارزا نحو السماء من بين رمال الجيزة ! لقد صنعت مصر قلبها بيدها ليعيش الأبد !!.."
ثم يؤكد الحكيم أن هذا الأثرى الفرنسى قد صدق إلى أبعد حد ، مستشهدا بما بدأ شهر مارس عام 1919 يشهده من تحرك نحو الثورة الشعبية : " 00وها هى مصر التي نامت قرونا تنهض على أقدامها في يوم واحد 00إنها كانت تنتظر – كما قال الفرنسى – تنتظر ابنها المعبود رمز آلامها المدفونة يبعث من جديد 00وبعث هذا المعبود من صلب الفلاح "!!
وكان الحكيم يشير بهذا إلى سعد زغلول الذى تزعم الثورة الشعبية الوحيدة في تاريخ مصر الحديث ، ثورة 1919 ، تلك الثورة آلتي فجرت طاقات وينابيع مذهلة في مجالات شتى من الحياة الوطنية ، ولا غرو في ذلك فالثورة الشعبية هى عملية " تطهير " للشعب و" إنضاج " و " إشراق حقيقى ، لابد أن تحدث بعده قفزة نوعية للحياة الوطنية ، إذا ظلت الثورة في طريقها الحقيقى 0
كنت قد قرأت الرواية منذ سنوات بعيدة ، و لأمر ما عدت اليوم أتصفح بعض صفحاتها فتوقفت عند هذا الجزء وتساءلت بينى وبين نفسى : هل صدق هذا الأثرى الفرنسى ، ومن بعده توفيق الحكيم فعلا ؟ لقد قال الفرنسى ما قال مبهورا بأثر الأهرام ، وقال الحكيم ما قاله مبهورا باندلاع ثورة 1919 ، لكننى عندما أنظر فيما يجرى من حولى على أرض مصر منذ عدة عقود أكاد أشك في هذا الذى قيل ، فآيات الطغيان والفساد من حولنا تزكم الأنوف وتضغط على الصدور بدرجة لا أظن أننا شهدنا مثلها منذ قرون ، ونحن كمن يتلقى صفعات على خديه ، دون أن يقاوم وينتفض وغاية ما يفعل أن يصرخ " آه " !
بل تكاد ثورة 19 أن تكون هى الاستثناء الوحيد في تاريخنا 00
وإذا كان البعض يشير إلى ثورتى القاهرة ، الأولى والثانية أيام الحملة الفرنسية ، فيمكن القول بأنها كانت محصورة بالقاهرة ، وكان للقوى الأخرى دور في التحريض عليها مثل العثمانيين والمماليك والإنجليز ، لا حبا في الشعب المصرى ورغبة في النهوض به ضد الاحتلال ، وإنما نكاية في فرنسا 0
أما ثورتا عرابى سنة 1881 ، و23 يوليو 1952 فقد كانتا عسكريتين ، وقد فشلت الأولى أما الثانية – مع التقدير لكثير من إنجازاتها الوطنية - فقد عززت – بقصد أو بغير قصد - الكثير من بذور الاستبداد والطغيان ، وانتهت باحتلال إسرائيلى كان مقدمة جرت بعدها آيات مذلة ما زلنا نعيشها حتى كتابة هذه السطور !
وعندما نتصفج كتاب التاريخ المصرى نُصدم بأننا خضعنا للعديد من أسوأ وأقسى أنواع الاحتلال طوال قرون طويلة كانت كفيلة بأن تزرع شعور بالانقهار والخنوع وفقد الثقة بالنفس وما يصعب حصره من قيم تحط من الكرامة والعزة :
فلقد سقطت البلاد في سنة 1725 ق0م في يد عدو متربص بها حينما غزاها المغيرون من القبائل الرعوية التي عرفت باسم الهكسوس ، ولم يتم طردهم إلا عام 1580 ق0م ، أى بعد 145 عاما !!
وفى العصر المتأخر – القرن الثامن قبل الميلاد – حينما كانت مصر في ظل الأسرة الخامسة والعشرين النوبية – كانت دولة الآشورين في بلاد الرافدين قد اتسعت حتى ضمت إليها فلسطين ، ثم اصطدمت بمصر الضعيفة المفككة ، فاستطاع الملك " آشور بانيبال " فتح مصر وطرد النوبيين منها وأصبحت مصر ولاية آشورية 0
وبعد فترة استقلال ، غزا " قمبيز " الفارسى مصر سنة 525 ق0م وضمها إلى الامبراطورية الفارسية حتى استمر حكمهم إلى سنة 404 ق0م ، ثم تمتعت مصر بفترة أخرى قصيرة من الاستقلال عادت بعدها إلى حظيرة الفرس سنة 341 ق0م ، ثم دخلها الاسكندر الأكبر سنة 332 ق0م وضمها إلى الامبرطورية اليونانية لتسمر بذلك حتى عام 30 ق0م عندما استولى عليها الرومان لتصبح ولاية رومانية ما يقرب من سبعة قرون ، إلى أن فتحا المسلمون عام 641 م
وإذا كنا لا نعتبر دخول العرب استعمارا ، لكننا نلاحظ أنه دوال عصور مصر الإسلامية ، تناوب الحكم عليها أقوام عدة من طولونيين وإخشيديين وفاطميين وأيوبيين ومماليك وعثمانيين ، دون أن نلحظ بعضا من أبناء هذه الأرض المصريين يحكمون ، ويكون بيدهم القرار ، إلا إذا استثنينا الجهاز الإدارى الذى كان يدير الدولة 0
إن تجميع سنوات حكم مصر بغير أبنائها يظهر لنا صورة مفزعة حقا ، لأن هذه السنوات تصل إلى ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة !
وإذا كان الحكم الأجنبى في غالبه يقوم على الطغيان والاستبداد ، فإن علماء التاريخ ، وخاصة من مدرسة اليسار الماركسى ، والجغرافيا قد لاحظوا جملة من المتغيرات التي كان لها دور لا ينكر في إرساء دائم القهر والاستبداد 000
فعندما اخترق نهر النيل مصر من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال ، كان ذلك إيذانا بأنه مصدر الحياة الوحيد ، مما اقتضى أن تكون " إدارته " واحدة ، ومركزية حتى لا يعبث جزء من البلاد بهذا المورد ويحتكره ويسئ استخدامه بحيث يحرم بقية الأجزاء ، والمركزية من شأنها في هذا الوقت المبكر من التاريخ أن تكون تربة تفرخ قهرا واستبدادا 0
فإذا ما تذكرنا أن عملية استغلال نهر بهذه الضخامة ، واتقاء ما قد يسببه من أخطار لم يكن بمقدور فرد أو أفراد قليلين أن يقوموا بها ، تحتم أن تكون هناك إدارة واحدة أيضا تنظم الجهود وتوزعها وتوجهها ، مما جعل مصر صاحبة أقدم حكومة في العالم على وجه التقريب 0
وفى ظل طفولة العقل البشرى وبدائية المعرفة كان من الطبيعى أن يكون الجالس على عرش هذه الإدارة المركزية من الصفات ما يجعله من جنس القوى الخارقة التي تمنح الحياة وتجلب الخيرات أو العكس ، فاكتسب حكم مصر منذ البداية سمات الآلهة التي تأمر فتطاع ، وهى وحدها التي تبصر الحقيقة ، وأن الجميع ، سوى من جاء من نسلها إنما هم " رعاع " و " عبيد " ، ما عليهم إلا أن يعملوا ويرضخوا ويطيعوا ، وليس لهم إلا أن توفر لهم الدولة الطعام والشراب ، فهو حكم أقرب إلى أن يكون حكم " قطيع " !!
وصور القرآن الكريم ، ما شعر به حاكم مصر من غرور الاستبداد بتربعه على كرسى العرش الخاص بمصر ( ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون ) سورة الزخرف ، الآية 51
وأصبح الشعار المميز للحكم الفرعونى هو قوله فرعون ( ما أُريكم إلا ما أرى ) ، فما يراه هو لابد أن يراه غيره من قطيع الشعب ، وما لا يراه ، لا ينبغى لأحد آخر أن يتصوره !!
ومن هنا ، فإذا كان لقب الحاكم في مصر القديمة كان " فرعون " فقد تحول اللقب إلى " صفة " يوصف بها كل مستبد ، وأصبحنا نرادف بين الاستبداد وبين " الفرعنة " ، ونردد في أمثالنا العامية : " قالوا لفرعون : إيش فرعنك ؟ قال : ما لقيتش حد يردنى " !!
فكأن المصريين ، منذ آلاف السنين بدءوا يعيشون مناخا من القهر والاستبداد ، سواء بحكم متغيرات طبيعية جغرافية ، حيث لم يكون العقل البشرى قد وصل بعد إلى درجة نضج تُظهر دوره وأثره في تكييف الظروف الطبيعية لخدمة الإنسان بالصورة التي بدأنا نعرفها منذ قرنين من الزمان في مصر على وجه التقريب 0 وفضلا عن هذه المتغيرات " الطبيعية " ، القابعة في الداخل ، كان هناك الاستعمار الآتى من خارج 0
ومن المعروف أن كلا من الاستبداد الداخلى ، والاستعمار الخارجى يشترك مع الآخر في جملة من التأثيرات التي يكون لها دور كبير في تكوين المواطن ، لكن ، القهر الآتى من خارج على يد الاستعمار يستنزف خيرات البلاد ليوجهها إلى خارجها ، ويكون المتبقى أقل من أن يستطيع سد احتياجات المواطنين ، فيعيش معظمهم في ظلال العَوَز والفاقة ، ومن شأن المعيشة في ظلال العوز والفاقة قرونا طويلة ترسيخ مجموعة من القيم التي تقوم على مشاعر المذلة والاستكانة والشعور بالعجز والرحمان وانكسار الإرادة 0
أما ما يشتركان فيه فهو خلق شرائح من المتعاونين " الخُدّام " الذين يقومون بدور كلاب الحراسة ، مما من شأنه أن يسهم في تنشئة شرائح يكون ولاؤها للمستبد القاهر ، وسوطا في يده يلهب به ظهور الجماهير المقهورة ، المغلوبة على أمرها 0 ويشترك القاهرون مع خدامهم وكلاب حراستهم في جمع أكبر قدر من ثروات البلاد ونهبها ، لأنهم لا يشعرون بالاستقرار والطمأنينة في داخل أنفسهم ، ويكون الشعار : انهب اليوم كل ما تستطيع ، لأنك لا تضمن أن تكون موجودا على كرسى الحكم غدا !!
اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
أللعبه
أيمن | 5/16/2008 10:28:06 AM
يصبح توظيف شرائح المتعاونيين والطبقات المستفيده شىء هام جدا ولكن الأخطر هو توظيف الدين ( رجال كالكهنه قديما والمؤسسات بل وحتى الحركات الدينيه التى تنبعث من الشارع) ولا يخفى على أحد أن الرئيس الراحل أنور السادات هو من بدأ هذا التحالف الغير معلن مع الجماعات الدينيه لضرب التيارات اليساريه و الناصريه المحرضه دوما على التفكير والثوره والتى أنتفضت فى 18 و19 يناير 1977 إن ضرب الأفكار الليبراليه والتحرريه والتنويريه وتشويه حركاتهم وأرخاء الحبل للتيارات الدينيه هو أحد الأسباب الهامه فى صبر هذا الشعب الطيب
فرق كبيـــــر بين فراعنة زمان وفراعنة اليومين دول
العفــــــــــــــــــــــــــــــــــريت | 5/16/2008 2:08:35 AM
ففراعنة زمان كانوا يؤمنون بالبعث وحساب الآخرة....
مصر دائماً بخير ...إن شاء الله .
عاشور | 5/15/2008 5:52:17 PM
كانت مصر منذ الأبد بمثابة خزان عام صبت فيه مختلف الجنسيات لتستعمره وتنهب ثرواته ، وعلى الرغم من أن المستعمر قد أرسى فى نفوسنا صفات الجبن والقهر والإستبداد ، إلا أنه فى ذات الوقت قد أرسى فيها صفات الكفاح والجهاد .... وظهر ذلك ــ كما ذكرت حضرتك ــ فى الثورات التىا قام بها الشعب المصرى ، فكما أن هناك صورة قاتمة (متشائمة) إلا ان الأمل موجود... فمصر دائمًا بخير.
تغييب الاسلام يساعد على الاستبداد والطغيان
على مرسي | 5/15/2008 10:32:47 AM
كلما بعدنا عن الدين الاسلامي كلما ظهر الظلم والطغيان بين الناس ، لذلك تعمل الحكومات المستبدة على تحجيم الاسلام ومحاربة الملتزمين ونشر ما يعارض الاسلام وتعاليمه وذلك بتسهيل وتشجيع المحاربين له سواء من غير المسلمين او من العلمانيين وعبدة المال ، من لا يخاف الله ولا يعمل ليوم الحساب يستبرأ الظلم والفساد ومن يشغله الله في كل صغيرة وكبيرة يصعب عليه ذلك لانه صاحب ضمير لا يسلمه ابدا لنزواته واطماعه البشرية ، لذا يعمل المستبد على قهر الناس وتصعيب الحصول على قوت حياتهم فلا ينشغلوا الا به
تشريح جيد تشخيص دقيق والعلاج قادم ان شاء الله
عادل بسيونى | 5/15/2008 8:41:23 AM
تشريح سيادتك وتشخيصك لم توضح ان العرب الأسلاميين هم الذين احترموا الشعب ولم يذلوه كما اذله سابقيهم ولاحقيهم,ويمكرون ويمكر الله,تخريب التعليم لكى يتمكنوا من استمرار القهر رغم ازدياد عدد الحاصلين على شهادات تعليمية منها الدكتوراه اعلى مراتب الشهادات العلمية ورغم ذلك التخريب فى التعليم بأيديهم وانا تعمدت اتخاذ التعليم مثال على التخريب حيث اعتراف المنصفين من اساتذة اصول التربية بذلك خلاصة القول انه الأستحمار(الأستعمار الجديد)الذى بدأ التفكير والتنفيذ بعد الحرب العالمية الثانية وظهور القوى الجديدة فى العالم ولكن انا ارى امل كبير فى شباب هذه الأمة عند تمسكه بمبادىء الدين الجنيف واستغلال التكنولوجيا المصدرة من المحتل فى مقاومة التخلف والجهل الذى ينتج عن التعليم الموجه وهذه بارقة امل لابد وان نتمسك بها رغم التخطيط لتحجيم التكنولوجيا فالشباب هو المنتصر فى نهاية الصراع لأنه الأمل ولكى الله يا مصر
الطغيان صناعة الوهم والجبن
د عبد البا سط عطايا dr abdo 43 @yahoo .com | 5/15/2008 5:43:53 AM
لااجد انسب ما يمكن قوله في هذا الصدد من قول شاعر حكيم :والناس يخشون من بطش المليك بهم وماله دونهم باس ولاجاه .كصانع صنما يوما على يده .وبعد ذلك يرجوه ويخشاه . 15 5 2008
يعنى إيه...مافيش فايدة ؟!!!
د. محمد صقر | 5/15/2008 3:40:36 AM
أفزعتنا ياأستاذنا الكريم...هل معنى ذلك أنه لا أمل، وأن الشرفاء الذين جبلت نفوسهم على كراهية الخنوع والتملق والإستبداد قد كتب عليهم أحد خيارين لا ثالث لهما..إما أن نقضى أعمارنا سياحة فى أرض الله أو أن نعيش غرباء فى هذا الوطن..أرجوك أن تستكمل هذا الموضوع فى مقال آخر.
براءة اختراع
أبو بسمة | 5/15/2008 1:35:14 AM
اشترك المستعمر الخارجي والمستبد الداخلي في نهب ثروات البلد وترك المواطنين على الكفاف ثم خلق طبقة المنتفعين ...إلا أن المستبد الداخلي استحدث عاملاً ثالثاً هو القضاء على الطبقة الوسطى...تلك الطبقة المحركة الفعلية للجماهير...ولكن تكمن خطورة تلك الخطوة في أن التحرك الجماهيري إن حدث سيكون عشوائياً وربما يفعل أكثر بكثير مما عملت جماهير الثورة الفرنسية...هناك عوامل مهمة أيضاً في تغييب الجماهير سيدي مثل نشر الرذيلة من خلال وسائل الإعلام المختلفة فوصل الحال بمصر الأزهر أن عرضت أفلام عن الشذوذ الجنسي وآخرها يتناول قضيةأطفال الشوارع!!!!كذلك تغييب وعي الشعب بالخمور والمخدرات...( البانجو يباع جهاراً نهاراً في كل ربوع المحروسة)..كذلك العمل على (تهييف) ثقافة الجماهير ( إن صح التعبير)من خلال الإعلام والثقافة...ونظرة سريعة على التلفاز المصري والعربي يذهلك كم التفاهة والسطحية.ولكن نرى بصيص أمل في شباب مثقف واعٍ استفاد من وسائل العصر كالإنترنت ليبدأ عصراً جديداً من عودة الوعي....
أهو تشاؤم أم تفائل
مستغرب | 5/14/2008 8:44:11 PM
سيدي الفاضل لم توضح هل نحن كذلك وسنظل للأبد أن أنك تري أمل في التغيير
درس فى التاريخ والسياسة
ايمن يسن | 5/14/2008 4:14:57 PM
أستاذنا الدكتور سعيد لا يسعنى الا ان اقول ان هذا الكوكتيل ما هو الا درس فى التاريخ والسياسة