بداية موفقة للرئيس الجديد
من الواضح أن الرئيس الجديد محمد مرسى يكتسب يومًا بعد يوم ثقته بنفسه كرجل دولة ويتصرف بمسؤولية وتوازن، وقد لاحظت أن خطاباته المتعددة منذ لحظة إعلان فوزه بالانتخابات تتطور بشكل واضح وينمو فيها التوازن وروح المسؤولية، ولذلك جاء خطابه أمس فى جامعة القاهرة عقب أدائه اليمين بالمحكمة الدستورية العليا، جاء ذروة خطاباته الأخيرة من حيث شموله على الكثير من أولويات المرحلة المقبلة وأيضًا اتسامه بروح المسؤولية، كان موفقًا للغاية فى حديثه عن القوات المسلحة، وأنها أوفت بعهدها مع الشعب وأنهم تحملوا المسؤولية بأمانة وتحملوا الصعاب والمشاق كما أثنى على حمايتهم للانتخابات النيابية والرئاسية بأمانة، وقد لاحظت التأثر بالكلمات على وجه كل من المشير طنطاوى الذى بدا فى صحة غير جيدة وكذلك الفريق سامى عنان حتى أنهما صفقا طويلاً لكلمات الرئيس المصرى، لقد انتصرت الثورة وجاء تنصيب محمد مرسى ليكون بمثابة إعلان نهائى وأكيد بأن الثورة انتصرت وفرضت إرادتها، وأصبح الطريق ممهدًا لبناء دولة حديثة دولة الحلم الذى ثرنا من أجله، ولذلك لا معنى الآن لكى تكون هناك ثارات للماضى أو استحضار مرارات الماضى ونحن نخطو لبناء دولة المؤسسات، فالتخندق فى هموم مرحلة الاضطراب يضر كثيرًا بقدراتنا على بناء المستقبل وإنهاض البلد، وإذا كنا نتحدث عن المصالحة الوطنية والتوافق الوطنى، حتى مع أحزاب هامشية وقوى لا تمثل أبعد من حمولة أتوبيس قطاع عام، فكيف يتصور أحد أن هذه المصالحة لا تشمل المؤسسة العسكرية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، هذا تزيد، صحيح أن المستقبل مفتوح على مشكلات وتحديات وربما خلافات فى تقدير الأمور بين الرئيس الجديد والمجلس العسكرى، وهى أمور يمكن أن تحل بالحوار والاحتكام للقانون، ليس بروح التصيد والمغالبة وكسر العظم، وإنما بروح الحرص على استقرار الوطن ومصالحه والحرص على صياغة دولة حديث دستورية مدنية يطمئن فيها الجميع إلى حقوقه ويعرف واجباته وتعلو فيها كرامة البشر وإرادة الشعب على كل إرادة، وتطوى بها صفحة نظام قديم متجذر فى الاستبداد والهيمنة والقمع والفساد حتى النخاع، ليولد فيها نظام جديد يتسم بالشفافية واحترام حقوق الإنسان وحريته وأمنه وأمانه، ومثل هذه الآمال نخطئ إذا تصورنا أنها يمكن أن تتحقق طفرة أو بضربة واحدة، وإنما هى تتحقق تدريجيًا عبر نضال سياسى صبور وكسب نقاط تتراكم لتحقق التحول الكبير، والحقيقة أن التحول الصبور ربما كان أفضل كثيرًا من الطفرات غير المحسوبة، خاصة عندما تكون فى مجتمع يفتقر إلى التوازن السياسى بين تياراته الفاعلة، فتحولات الطفرة يمكن أن تسفر عن حالة من "المراهقة" السياسية غير المسؤولة التى تتعايش مع الفوضى ولا تتعايش مع البناء وروح المسؤولية تجاه وطن وشعب بهذا الحجم وتلك الأعباء والأشواق، كما يمكن لتلك الطفرات أن تورطنا فى صناعة استبداد من لون جديد، بينما النمو الصبور والمتدرج هو الذى يحقق رسوخ التجربة وتجذرها وتحولها إلى ثقافة مجتمع وثقافة دولة وثقافة مؤسسات لا يخطر على بال أحد فيها أن تكون على غير هذه الديمقراطية والشفافية والمؤسسية والتداول السلمى للسلطة.
افتتاح موفق لأول يوم فى السلطة الرسمية، ونسأل الله له العون فى تحقيق الوعود الكبيرة والثقيلة التى ينتظرها الناس منه والذين لن يصبروا عليه طويلاً إن عجز عن تحقيقها.





