• الإثنين 16 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر11:25 م
بحث متقدم

ماذا لو ربح نجيب أزمة مارس؟

مقالات

لطالما سألت نفسي: ماذا لو انتهت أزمة مارس الشهيرة عام 1954 بانتصار محمد نجيب وخالد محيي الدين؟!
كثير من المحللين يرى أن ديكتاتورية الثورة بدأت بانتصار مجلس قيادة الثورة وجمال عبدالناصر والتحفظ على نجيب في فيلا زينب الوكيل زوجة النحاس في المرج.
كتب ومذكرات بعض أعضاء مجلس الثورة  إضافة إلى ما كتبه محمد نجيب نفسه أو تحدث به عقب رفع الحظر على تحركاته في عهد السادات تذهب في هذا الاتجاه.
كل تلك المذكرات والكتب ومعها أقوال نجيب انطلقت من الشعور بالمرارة والرغبة في الانتقام، حتى لو بالكلام، ولذلك فقد أخذت على نفسي التشكيك في صدقيتها.
دائما ألجأ إلى الوثائق التي أفرجت عنها بريطانيا، والتي كانت وقتئذ دولة احتلال لمصر وداخلة مع النظام الجديد في مفاوضات الجلاء. تتضمن تلك الوثائق بطبيعة الحال مراسلات سفارتها في القاهرة والتي كانت تراقب عن كثب ما يجري.
خلاصة الرأي الذي توصلت إليه، أن مصير ناصر ومجلس الثورة، كان سيكون هو المصير نفسه الذي لقيه نجيب لو انتهت أزمة مارس بانتصار الأخير.
ورغم ما بدا من انتصار نجيب عقب تقديم استقالته لمجلس قيادة الثورة في 23 فبراير من ذلك العام وقبول المجلس لها، فإن السفارة البريطانية ظلت متيقنة بأن أيامه في الحكم باتت محدودة، وأن ناصر من الدهاء والسياسة ما سيمكنه في النهاية من الحسم.
القول بأن نجيب ذهب ضحية ميوله نحو الديمقراطية وعودة الضباط الأحرار إلى الثكنات تتناقض مع أقواله ومواقفه في بداية الثورة، فقد كان ضد عودة الحياة النيابية والانتخابات، وفاعلا في اتخاذ قرار حل الأحزاب. كان على رأس المجموعة التي ترى تأجيل الديمقراطية إلى أن تستقر الأوضاع للثورة، بل هو صاحب فكرة المرحلة الانتقالية التي حددت بثلاث سنوات.
أيضا هو رجل التكويش على السلطة بامتياز، فقد جمع في يده رئاسة الجمهورية ومجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء. كانت شعبيته الجارفة العصا التي يتكئ عليها ويظهرها باستمرار برغم ضعف شخصيته وتردده الشديد في المواقف التي تحتاج إلى الحسم السريع.
في رحلته إلى النوبة في أواخر نوفمبر 1953 قوبل باستقبال شعبي كبير أراد نقله إلى الآخرين فكلف سكرتيره الاتصال بالإذاعة للحديث عن تلك الحفاوة الشعبية ما أغضب صلاح سالم وزير الإرشاد القومي وهي الوزارة التي تقع الإذاعة في دائرة مسئولياتها، وأغضب عبدالناصر أيضا الذي كان ينظر إليه بكونه دخيلا على الثورة.
الرد السريع جاء في رحلة الاسكندرية، فقد كان مقررا أن يسافر أعضاء مجلس الثورة برئاسة نجيب إليها بالقطار، لكن عبدالناصر طلب منهم أن يسافروا بالسيارات ويتركوا نجيب بمفرده في القطار، وهناك فوجئ بأن الحفاوة التي قوبل بها في بلاد النوبة لم يجدها في الإسكندرية.
كان صراعا خفيا على الشعبية، ثم بداية عملية التهميش، لدرجة جعلت نجيب يحس أنه بالرغم من تجميع السلطة في يده أنه أصبح طرطورا، وفق قول صلاح نصر الذي كان في موقع نافذ جدا، فهو مدير مدير مكتب القائد العام عبدالحكيم عامر.


قدم نجيب استقالته احتجاجا على التهميش. لكنه أخطأ باستناده على القوى السياسية التقليدية وفي مقدمتها حزب الوفد وعلى شعبيته الجارفة داخل الشارع اعتقادا بأنه سينتصر بها على عبدالناصر ورجاله في مجلس الثورة.
الخطأ الثاني أنه قدم استقالته في 23 فبراير بعد حل جماعة الإخوان المسلمين في 15يناير، فظهر كأنه ضد قرار الحل.
معظم ضباط سلاح الفرسان كانوا إلى جانب نجيب ورفضوا استقالته فقد كانوا تحت تأثير خالد محيي الدين ضابط مخابرات السلاح.
اجتمع سلاح الفرسان رفضا لقبول استقالة نجيب وحضر جمال عبدالناصر هذا الاجتماع وفيه استمع إلى انتقادات شديدة بشأن الاتجاه إلى الديكتاتورية وهو الأمر الذي نفاه.
 غادر ناصر اجتماع سلاح الفرسان إلى مجلس الثورة وهو شبه مستسلم لمطالبهم وهو عودة نجيب رئيسا لجمهورية برلمانية وتعيين خالد محيي الدين رئيسا للوزراء واستعجال الدستور الجديد، وهو ما أصدره مجلس الثورة بعد ساعات. لم أجد في ما قرأته أي تبرير منطقي لاستسلام عبدالناصر إلى هذا الحد الذي يهدد بوأد الثورة.
كاد صلاح سالم يبلغ محمد حماد مدير الإذاعة بالقرار لإذاعته، ولو تمت الأمور هكذا لانتهت حكاية جمال عبدالناصر نفسه قبل أن تبدأ ولكنها لم تكن ستعني بداية الديمقراطية إطلاقا خلال الزمن المنظور.
شيء حدث قلب كل ذلك، فقد قامت الكتيبة الثالثة عشر مشاة بمحاصرة مقر الفرسان، وأغلقت وحدات المدفعية المضادة للدبابات البوابات بقيادة سعد زايد الذي تولى محافظة القاهرة لاحقا، وحرك علي صبري بعض الطيران الحربي ليحلق فوق العياسية.
لم يكن ناصر أو عبدالحكيم عامر وراء هذا التحرك أو فكرا فيه على الأقل، إنما الضباط الأحرار من الصف الثاني. يذكر صلاح نصر أن حكيم ثار في بداية الأمر وقال إنه لن يسمح أبدا بأن تحدث حرب أهلية وهو قائد للجيش. لكنه امتص غضبه عندما عرف أن التحركات أدت غرضها، ثم استدعى خالد محيي الدين وطلب منه أن يذهب إلى سلاح الفرسان ويبلغ الضباط بأن يسلموا أنفسهم فورا وإلا سيصدر أوامره للطائرات والقوات المحاصرة لمعسكر الفرسان بقصفه، مع أنه لم يكن يعرف صاحب مبادرة الحصار وتحليق الطائرات ولم يكن مسئولا عنها.
هنا بدأت نهاية أصعب أزمة تواجه ثورة يوليو في تاريخها.. الأزمة التي عرفت في ذلك الوقت بأنها صراع بين فريق يطالب بالديمقراطية يقوده نجيب وخالد محيي الدين، وفريق يطالب باستمرار الثورة وتحقيق أهدافها بالاستبداد والديكتاتورية يقوده ناصر ومعه حكيم وصلاح وجمال سالم وآخرون.
لا يوجد لبن مسكوب حتى يبكي عليه أحد. ربما لو انتصر نجيب لرأينا صراعا جديدا ينتهي بالتخلص منه بواسطة القوى السياسية القديمة في ظل رعاية انجليزية تعيد الملك فاروق للحكم.
.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • فجر

    04:21 ص
  • فجر

    04:20

  • شروق

    05:44

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    18:05

  • عشاء

    19:35

من الى