• الإثنين 16 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر11:28 م
بحث متقدم

مشروع عمر الفكري (4)

مقالات

من عاداتي السيئة، أني لا أُحسن تدقيق ما أكتب، إلا إذا كان مكتوباً على ورق، وصدق فيَّ قول بشار (96 – 168 هـ ): والشيخ لا يترك عاداته …حتى يوارى في ثرى رمسه. ما لبثت أن أضع ورقة المقال أمامي، حتى أشرع في تدقيقها ، إذ بجاري طبيب مسن، ودود دوماً ،مجادل أحياناّ، يدخل  علىَّ مكتبي ، فانتزع الورقة من أمامي متسائلاً: ماذا تقرأ؟
لم يكترث كثيراً بإجابتي.
ابتسم ،تنحنح واعتدل في جلسته وكأنه سيلقى خطابا وسط حشد عظيم من مؤيديه، فقرأ بصوته الجهوري ً:
دعنا نلقي ضوءً على استشراف المستقبل في مشروع عمر الفكري، قد يظن البعض أن استشراف المستقبل لا يعدو إلا محاولة من محاولات التنجيم أو الضرب بالغيب ولكنه رؤية متقدمة لأصحاب البصيرة التي تعتمد بالأساس على: سعة الادراك ، ملكة التقييم ، القدرة على التخيل، وليس ذلك فحسب بل النفاذ إلى كنه الأمور وخفايا المعضلات؛ لاستشفاف النتائج.
كما جمعها البارودي(1839-1904م) في بيته العبقري:
ولست بعلام الغيوب وإنما، أرى بلحاظ الرّأي ما هو واقع.
ويتجلى ذلك في ما فعله عمر (رضي الله عنه) من أنه أبقى الأرض لأبنائها في البلاد المفتوحة ، و أبقى أهل البلاد على إدارة موارد ثرواتهم ، وأحسب أن في هذا رداً كافياً على أولئك الذين يدعون أنها غزوات استعمارية، وليست فتوحات تنشر القيم الدينية، فلو كان الأمر كما يدّعى هؤلاء: فهلا تفضلت بذكر مثالٍ واحدٍ على مر العصور والأزمان، لمستعمر أيّاً كان يغزو أرضاً  ويتمكن منها، ثم يترك أهلها على إدارة مواردها ؟
فليس من الغريب أن يصف هـ. ج .ويلز هذه الفتوحات بقولة: "إنها أعجب قصص الفتوح التي مرت على مسرح تاريخ الجنس البشري" وهذا قريب جدا مما قاله ول ديورانت في وصفها في كتابه الشهير (قصة الحضارة):"أنها أعظم الأعمال إثارة للدهشة في التاريخ الحربي كله" .
وذهب العقاد في كتابه عبقرية عمر : أنه كان يفكر أبعد من ذلك بأن نهى الفاتحين أن يمتلكوا عقاراً أو داراً من تلك البلاد،  حتى يعصم الجند العرب من الفتن والصراع على العقار والركون الى الأرض وترك الجهاد.

*******
لما انتصر المسلمون في غزوة بدر، برزت مشكلة الأسرى  ، ولم يكن وقتئذ نصٌ يبين كيفية  التعامل معهم ، ولعل الوحي  تأخر كما ذكرنا آنفاً؛ ليمنح العقل مساحة ليبدع، فقد استشار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صحابته في شأنهم، فكان رأي أبي بكر (رضى الله عنه) أخذ الفدية من الكفار ليتقوى المسلمون بها، بينما  أشار عمر بن الخطاب، وسعد بن معاذ (رضى الله عنه ) بضرب أعناق السبعين أسيراً ، لأنهم أئمة الكفر وصناديدهم وفي التخلص منهم ضربة قوية لأهل مكة.
فمال الرسول للأخذ برأي أبي بكر، وأخذ منهم الفدية ، فلما نزلت الآية "? مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ? الأنفال (67).
فكانت تأييداً لما قال به عمر وهذه من موافقاته المشهورة
ولصاحب تلك السطور هنا عدة ملاحظات بعيداً عن نسخ تلك الآية من عدمه :
الأولى :أن الوحي القرآني وافق رأي عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ ،إذن الموافقات لم تكن حكراً على عمر دون غيره، إنما فتحت أفقاً بكراً لكل ذي رأيٍ رشيدٍ، وقولٍ سديدٍ بغض النظر عن اسمه و وسمه.
الثانية:  كان عمر يرى أن أعداد المسلمين قليلة ، الدولةَ ناشئةٌ وما زالت  في طور الإعداد والتكوين، وبحاجة ملحة لتظهر بمظهر القوة حتى ترهب عدوها، وتزرع الرعب في نفوسهم بقتل هؤلاء، حتى يفكر مَن ورائهم بدل من المرة ألفاً قبل معاودة الكرة، طبقاً لما يقوله العرب: "القتل أنفى للقتل" فرأى أن قتل هؤلاء السبعين  قد يحقن دماء المئين والألوف مستقبلاً.
توقف عن القراءة والتفت إلىَّ قائلاَ:
أتدري يا صديقي؟
لم يمنحني فرصة للإجابة، أستطرد هو قائلاً: 
أنه بسبب رفض تنفيذ إعلان مؤتمر بوتسدام (1945)، والذي كان ينص على استسلام اليابان استسلاماً كاملاً دون شروط ، ولما تجاهلت اليابان المهلة المحددة ؛ شنت الولايات المتحدة الأمريكية هجوما نوويا على هيروشيما وناجازاكي مما أدى الى قتل مائة واربعين ألفا من اليابانيين، في البداية كان البيان الصحفي الرئاسي الصادر من البيت الأبيض يبرر ذلك الهجوم النووي على أنه أخذ بالثأر لضحايا القاعدة البحرية الأمريكية في ميناء (بيرل هاربر) بجزيرة هاواي الواقعة بالمحيط الهادي، التي قصفته اليابان(1941) ، غير أن الإعلام الأمريكي بعد ذلك ألمح أن الاجتياح  من طرف أمريكا  والاتحاد السوفيتي آنذاك لو لم تستسلم اليابان؛ كان سيتخلف عنه ملايين القتلى من الجانبين ، وبالتزامن مع ذلك أصدرت وزارة الحرب الأمريكية(وزارة الدفاع حاليًّا) أربعة عشر بياناً صحفياً ، أهمها كان مفاده : حقاً إنها مأساة كبيرة  ولكنها منعت حدوث مأساة أكبر.
فقلت متعجباً: القتل أنفى للقتل أيضا، من الواضح أن للحروب حسابات أخرى.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • فجر

    04:21 ص
  • فجر

    04:20

  • شروق

    05:44

  • ظهر

    11:55

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    18:05

  • عشاء

    19:35

من الى