الخميس 24 سبتمبر 2020
توقيت مصر 03:37 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

بطل من (الحقبة الجريحة)

مثل البرق الساطع في السماء يظهر البطل في حياة أمته فيضئ ظلاما وينير طريقا وينشر أملا.. متدفقا بمعاني الرجولة والشجاعة والجرأة الأخلاقية والشرف الكبير ..والأمم الكبيرة تحتفى بأبطالها وتخلد ذكرهم وتجعلهم نجوما يهتدى بها فيكتب عنهم الشعراء والأدباء وتبدع الدراما من قصص حياتهم فنا يتحاكى به الشباب والبنات ويتمثلوه في حياتهم ..ويصبح تاريخ البطل تاريخ شخص فى تاريخ أمة وتاريخ أمة من خلال سيرة الشخص الذى ساهم فى صناعة تلك الأمة.. لنقف أمام زمنا ممتدا بطول وعرض وعمق الوطن وتاريخ الوطن وناس الوطن ..وتملأ قلوبنا الأحاسيس العظيمة التى تعيننا على العيش وتعزز وتدعم تصورنا وإدراكنا عن أنفسنا فتظللنا شبكة أمان وطنى واسعة .. وقد كانت الحقبة الزاهية في بلادنا بعد ثورة 1919م مليئة بالأبطال في كافة مجالات الحياة وكانت حياتهم بالفعل لها ألف معنى ومعنى.. لكن حركة يوليو1952م طمست سيرتهم وأدوارهم ..ليس هذا فقط بل وتعقبت من كان طريق البطولة والمجد يطلبهم ويناديهم ..والأمر جدير بأن يروى.
ففى عام 1964صدر قرار جمهورى بإبعاد الفريق مدكور ابوالعز من منصبة كقائد الكلية الجوية (1956 -1964م) و إنهاء حياته العسكرية وتعيينه محافظا لأسوان .. كانت صدمة عاتية للرجل الذى كان يتخرج كل سنة من تحت يديه عشرات الطيارين المقاتلين ..كان الرجل ككل الأبطال الكبار له من التأثير الروحى والنفسى على طلابه ما كانوا يحملونه معهم في قلوبهم و وعيهم بعد تخرجهم ..وفى هذا المعنى يحكى لنا المهندس حسب الله الكفراوى وكان صديقا قريبا للفريق أبو العز.. أن والد الرائد حسنى مبارك (أركان حرب الكلية الجوية وقتها) جاء لزيارته في الكلية! ورفض حسنى مبارك مقابلته وانتشر الخبر في الكلية فما كان من الفريق أبو العز إلا استدعائه إلى مكتبه وتوبيخه على هذا الموقف غير الأخلاقي الذى قد يؤثر سلبا في أخلاقيات الطلاب وصغار الضباط .  
****
كان المناخ العام في الستينيات (الحقبة الجريحة)ملىء بالثقوب السوداء التى تبتلع فورا من يلمع في سماء الوطن ولأن الخسيس يثار لخسته من شرف الشريف كما قال عمنا شكسبير.. فلم يحتمل قائد الجيش(المشير عامر) وصديقه قائد القوات الجوية(الفريق صدقى محمود) وجود نجما كبيرا بحجم (مدكور ابو العز) فاتفق الاثنان على إبعاده من عرينه (الكلية الجوية) والسبب بالغ السهولة بل ما أسهله في هذه الأيام الغابرة :المخاوف الأمنية (مدكور ذو شعبية واسعة وتخرج من تحت يديه عشرة أفواج من الطيارين ما قد يشكل خطرا على الزعيم نفسه) كان النظام السياسى في هذه( الحقبة الجريحة)يحمل مخاوفه من داخله..لا من خارجه (الرأى العام) والشيء الجوهري كان المحافظة على البقاء.
تقول الحكاية أنه اذا كان في الإمكان ضبط التنافس والتعايش بين موهبتين .. فليس في الإمكان ضبط أى تعايش بين موهبة وعبقرية.. هكذا قال (بوشكين)أمير الشعراء الروس.. وفى الحقيقة لم تكن هناك موهبة وعبقرية كانت هناك بلادة وعبقرية .. فما ظنك بما سيكون ..؟ وهو ما حدث مع مدكور ابو العز ..وهو نفسه أيضا ما حدث مع فخر العسكرية المصرية في كل العصور(عبد المنعم رياض) الذى تم إبعاده إلى الأردن(1964م) ..سيأتي الاثنان بعد هزيمة كل يوم 5 يونيو ليقيما بناء جديدا بعد أن هوى البناء القديم أنقاضا فوق أنقاض ..وأخطر ما هوى كان الإنسان ..كرامته وروحه ..                                                                                                           لكن  دائما ما تكون للقصص العظيمة  تفاصيل أليمة.. سيصعد الشهيد عبد المنعم رياض(رئيس الأركان) حيا عند ربه من أخر نقطة تماس مع العدو الإسرائيلي يوم 9مارس 1969م  .. وسيٌبعد الفريق مدكور ابو العز من قيادة القوات الجوية بعد5شهور من عودته الى الخدمة وتوليه للمسؤولية !(10/6 – 2/11 /1967م).. كيف كان ذلك ؟ والأخطر: لماذا كان ذلك ؟ الإجابة عن السؤال الثانى بسيطة للغاية ..فقد تم إبعاده لنفس السبب الذى أبعد به من قيادة الكلية الجوية.      
أما كيف كان ذلك فنترك للراحل الكبير أمين هويدى المفكر الاستراتيجى  الكبير رواية القصة كما وردت في مذكراته( 50 عاما من العواصف  - ما رأيته قلته) فيقول:  حينما التهب الموقف السياسي فجأة في مايو‏1967‏ وقبل بداية الحرب اقتحم مدكور مكتبي ـ وكنت وقتئذ وزيرا للدولة وكان هو محافظا لأسوان‏..‏ ودار الحديث عن الموقف بتشاؤم مقلق وكان حديثه عن حالة القوات الجوية مقلقا بحق‏‏ إذ توقع ضربها علي الأرض‏ ونقلت رؤيتنا إلي الرئيس عبدالناصر واستمع ولم يعلق..


أقف أنا هنا بينما تقف بلادي هناك ! وحدث ما نعرفه جميعا .
****
بعد الهزيمة وضرب سلاح الطيران وهو على الأرض أرسل الزعيم الخالد طائرة خاصة إلى أسوان في10/6 لتحضر الفريق مدكور على الفور وسلمه قيادة القوات الجوية .. وبعد 40 يوما من توليه القيادة استطاع الرجل تجميع وإعادة وتأهيل 250 طائرة مقاتلة ..  ليس هذا فقط بل وقام الطيران المصري بأولى غاراته بعد الهزيمة فضرب مقرات قيادة الجيش الإسرائيلي في سيناء واشتبك مع الطيران الإسرائيلي وعاد سالما ..وانتشر الخبر بين المصريين  وسط فرح عارمة كبارقة أمل وسط يأس عميق ..وانتشر اسم مدكور ابو العز على ألسنة الناس وزادت شعبيته بشكل رهيب.. لكن هذا لم يكن كل شىء.                                                                          
فقد حدث أنه في إحدي زياراته للقواعد الجوية أن قام بزيارة لقاعدة طنطا الجوية وكان ذلك في يوم جمعة ..وذهب للصلاة بمسجد السيد البدوي.. وإذا بالخبر ينتشر بين الناس فتهب جموع الشعب في طنطا إليه .. حتي أنه وصل إلي سيارته بصعوبة..  وقام الناس برفع سيارته من فوق الأرض ونقل هذا المشهد بالكامل للزعيم الخالد.. وهنا سيقف التاريخ وقفته الحائرة ليقول لنا أن الزعيم الخالد قررعزله فورا ليعينه مستشارا له ..! وأخذت أسئلة الناس تتوالى وهم يبدون دهشتهم الحزينة المفعمة بالمرارة.. (أدق على كل باب ..أنادى.. أسأل :كيف تصير النجوم تراب..)؟  
كتابات أخرى ستقول أن الرجل عزل بطلب من الخبراء الروس .
كان الالتفاف الشعبى حول( البطل) ليس فقط تعبيرا عن الفرحة بما فعلته القوات الجوية يومى 14 – 15/7 ولكنه كان يشير إلى أن الشعب قد وجد القائد الحقيقى الذى سيمحو العار.. وهو ما قد يغير قواعد اللعبة التى استمر بها القائد المهزوم قائدا.. إذن فقد زال السحر عن الساحر.. ذلك أن الجماهير التى خرجت يوم 9/10 يونيو تطالبه بالبقاء كانت قد خرجت ليس لكونه جديرا بالبقاء فقد عجز عن حماية تراب الوطن. .ولكن لأنهم لم يكونوا يعرفون غيره.. أما وقد عرفوا وشهدوا.. فالأمر مختلف تماما.. وقد يترتب عليه شيء وأشياء.. لتتكشف لنا حقيقة الرواية الخاصة بمظاهرات التنحى والتى سرعان ما أصبحت الرواية الوحيدة المليئة بالتهكم واللؤم والتعاسة.. لكن لا شىء يقال صراحة.    
ستكتمل البطولة باكتمالات  الكمال وسينتقل (مدكور أبو العز) إلى رحمة ربه عن عمر يناهز الـ88 عاما(1918 – 2006م) وهو يصلي الفجر في ليلة من ليالى رمضان الأخيرة بعد أن فرغ من صلاته وهو يرفع كفيه بالدعاء.