الخميس 24 سبتمبر 2020
توقيت مصر 03:44 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

في الصحافة والحياة..

تمهل أيها الموت

في الشهور الأخيرة فقدت عددا من أصدقاء العمر وزمالة العمل. كأني أرى الموت على عتبة بيتي يخبرني بقطافه من الأحباب كلما أصبحت وأمسيت حتى صار قلبي يرتجف كلما مددت بصري إلى الفيسبوك الذي تحول إلى وفيات الأهرام في زمنها الزاهر، لم يمت من لم يرد نعيه فيها.
لا أخاف على نفسي من الموت فقد دربت نفسي على الاستعداد لركوب راحلته في الساعة المكتوبة، لكني ارتعب أن يخطف من أحبهم أو عرفتهم قبل أن يأتي وقتي.
زمان عندما كنت محررا في جريدة "المسلمون"  في مدينة جدة استعنا بشيخ سعودي اسمه عبدالعزيز الغامدي ليشرف على صفحة اسمها نصف الدين، تساعد في العثور على شريك العمر وتأسيس حياة زوجية، وقد حققت نجاحا وزيجات فعلية.
لكن الشيخ فاجأنا بافتتاح مصنع أكفان، وأراد أن يخصني والزميل الأستاذ شريف قنديل بكفنين لكل منا، أي أن هديته تشمل الزوجة.
بالطبع رفضنا الهدية، فكيف أدخل على زوجتي بكفنها؟!.. إنه فأل غير مريح مع أن الموت حق.
جاءت أمي للحج وطلبت مني شراء قماش معين من مكة المكرمة.. ظننت أنه هدية تعود بها إلى البلد، فإذا بها تطلب مقاسا معينا ، وعندما وصلنا شقتي في جدة، أخبرتني أنه كفنها!
شعرت بانقباض شديد وضيق في التنفس. أرحب بالموت لنفسي لكني ارتعب بشدة من هذا الحق أن يختطف أمي أو حتى الاستعداد لتلك الساعة.
نسيت الموضوع كله.. حتى ماتت أمام عيني، فقد شاءت إرادة الله أن ترحل وأنا في زيارة للبلد فقد كنت أعيش في الخارج، وإذا بمن يقيم معها يحضر الكفن الذي اشتريناه معا من خزانة ملابسها، فقد أوصتهم به.
من القسوة الشديدة أن يقصد الموت حبيبا وأنت تنظر إلى وجهه. حدث هذا معي مرتين. مع أمي ومع ابنة أخي الدكتورة شاهنده التي اختطفها في ريعان شبابها. وكلاهما.. الأم وابنة الأخ كانتا روح الروح لي.
أعددنا صفحة مصورة لنشرها في المسلمون عن صناعة الأكفان، وكان تحقيقا استقصائيا جيدا اهتم به الدكتور عبدالقادر طاش رئيس التحرير، وعندما  رآه مدير التحرير الأستاذ محمد بركات الذي تحول بعد ذلك لتقديم برنامج المراجعات بقناة اقرأ ، حلف بالطلاق ألا ينشره. ولم تفلح محاولات الدكتور طاش معه. إنه الحق الذي يأتينا بغتة ولا مناص منه ومع ذلك نخاف حتى الحديث عنه.
لم يمر وقت طويل حتى استدعاني بركات لأكون ضيفا في برنامجه التليفزيوني لنعي الدكتور طاش.
آخر ما أتعب قلبي ونفسي عندما كنت عائدا أمس الاثنين من مدينة أكتوبر وجاءت فجأة سيرة صديقي الصحفي السوداني الكبير الأستاذ محمد ابراهيم. مضت سنوات لم نره. كنا زميلين منذ نحو 30 سنة في مؤسسة واحدة في جدة، هو في جريدة أراب نيوز التي تصدر بالانجليزية وأنا في المسلمون. وبدأت معرفتي به عندما كلفه رئيس تحرير جريدته الأستاذ خالد المعينا بترجمة بعض رحلاتي الخارجية في أوزبكستان وقزقستان وطاجيكستان وتركمنستان وقيرغيزستان، فأطلق علي اسم "فراجستان" وهو يضحك مستغربا اختياري لعائلة ستان من بلاد الدنيا الواسعة.
بلغ الود بيننا أنني كلمت مالك العمارة التي كنت حجزت شقة فيها بالقاهرة، أن يحجز الشقة المجاورة له، وعندما افترقت بنا سبل العمل وبلاد الإقامة، كنا نتجاور ونتزاور في شقتينا عندما تتصادف عطلاتنا الصيفية.
ثم رأيت العتاب الصامت في عينيه عندما فوجئ بانتقالي إلى مسكن آخر، فلم نعد نلتقي إلا كل سنوات ، لكن التواصل لم ينقطع بيننا.
ونحن نتكلم عنه وعن ابنته نادين التي درست الطب في جامعة 6 اكتوبر، وتدربت في منشية البكري، واختارت وطنها السودان للعمل، وحسام الذي درس في الولايات المتحدة ويقيم ويعمل فيها.
ونحن نتذكر كل ذلك جاءني صوت سيدة عبر الهاتف لتقول بحزن وانكسار.. سأبلغك خبرا محزنا. انقبضت. تلعثمت. "محمد ابراهيم تعيش انت".
هذا حالي مع من لهم مكانة خاصة في قلبي. أن يبلغ أجلهم منتهاه في حضوري، فإذا كانوا في بلد آخر كما محمد ابراهيم الذي مات في جدة، فيأتي ذكرهم على لساني قبل وصول خبرهم.
مهلا أيها الموت لا تثقل علي أكثر من ذلك.