السبت 24 أكتوبر 2020
توقيت مصر 05:15 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

رسائل النور..الحقيقة والطريق إليها

 
ارتوى وتشبع من مدرستين مختلفتين  أحدهما سياسية وفكرية بامتياز( جمال الدين الافغانى) وهو أشهر من أن يعرف ..والثانية صوفية تربوية بامتياز(الامام السنوسى) وهو صاحب حركة اصلاحية هامة فى شمال افريقيا تعلم فى الازهر واستقر بالجبل الأخضر فى ليبيا وتوفى عام 1859م  عن 72 عاما.
كيف  استفاد  صاحبنا من المدرستين والى أيهما كانت محطته الأخيره ؟؟ إنه بديع الزمان سعيد النورسى الكردى الذى نشأ بالأناضول(1877م-1960م)..والذي يقال انه سمي ببديع الزمان لنبوغه فى الجغرافيا والجيولوجيا و الفيزياء والكيمياء والفلسفة والتاريخ .

نقطة التحول البارزة فى حياته كانت عام 1899م  وهو فى العشرين من عمره حين سمع بوقفة وزيرالمستعمرات البريطانية ورئيس الوزراء فيما بعد وليم جلادستون(1809-1898م) فى مجلس العموم البريطانى يخاطب النواب وفى يده نسخه من(القرآن الكريم ) هكذا عينى عينك ..وهذه حادثة مشهورة ومعروفة.. قائلا: (مادام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم .. فلابد من إزالته من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به) وعلى ذلك التصور كانت وصارت واستمرت سياسة الغرب الاستعمارى الذى كانت تقوده فى ذلك الوقت بريطانيا وواضح أنهم أخذوا بسياسة قطع صلة المسلمين بالقرأن ..
غضب صاحبنا من تلك الجملة غضبا شديدا وقررعلى أثرها أن يتفرغ لدراسة العلوم القرآنية وأتم ذلك فى ثماني سنوات ثم قال (لأبرهنن للعالم أن القران شمس لا يخبو سناها ونورلا يمكن إطفاءه) وقرر بعدها الذهاب  إلى اسطنبول وقدم التماسا إلى السلطان عبد الحميد الثاني( 1842-1918 م) بطلب لفتح مدارس لتدريس الدين إلى جانب العلوم الطبيعية والرياضية وطلب من السلطان فيما طلب أن يراعى (مقام الخلافة)وان يقوم بواجبها تجاه المسلمين فى كل أنحاء العالم ..لأن مقدمات السقوط كانت تلوح فى الأفق القريب وقال له : ضياء القلب هو العلوم الدينية ونور العقل هو العلوم الحديثة فبامتزاجهما تتجلى الحقيقة فتتربى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية.
من اللافت للنظر فى مسارحركة النورسى أنه كان قريب الصلة من رجال جمعية (الاتحاد والترقى)التى تاسست عام 1889 م كحركة معارضة في الدولة العثمانية.. وتحولت إلى منظمة سياسية وانضم اليها أعضاء تركيا الفتاة في 1906 خلال فترة انهيار الدولة العثمانية  ووصلت إلى الحكم في الدولة العثمانية بعد تحويل السلطنة إلى ملكية دستورية وتقليص سلطات السلطان عبد الحميد الثاني في انقلاب 1909. وبعد وصول اتاتورك للحكم 1923م و الغاء الخلافة  الاسلامية وانتهاء ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الاولى قام باعدام بعض من أعضاء الجمعية بتهمة محاولة اغتياله فيعام  1926 م أما الأعضاء الباقين فقاموا بممارسة العمل السياسي كأعضاء في الأحزاب السياسية. )
***
هذه الجمعية كانت فى بدايتها تدعوا لأفكارمتقدمة عن الحرية والشورى ورفض الاستبداد  إلا أن شيخنا الجليل  فوجىء بانحرافاتهم الأخلاقية وإمعانهم فى السلوك التغريبي بدعوى التحضروالمدنية فابتعد عنهم .. سيعتزل بعدها (العمل السياسي) تماما ويقول جملته الشهيرة (أعوذ بالله من الشيطان والسياسة) ويتفرغ للتأمل والتدريس لكن كمال أتاتورك فطن الى مراده البعيد فيترصده بالنفي و التتبع ..
***
سينفى إلى بلدة بارلا(جنوب غرب الأناضول ) لمدة ثمانى سنوات ونصف السنة فيتفرغ لمشروعه الفكرى الذى سيصبح المشروع الأكثر شهرة وتاثيرا فى العالم العربى والاسلامى وبدأ مشروع (رسائل النور- 130 رسالة) لإنقاذ الإيمان وخدمة القرأن وتتلقف تركيا كلها هذه الرسائل وتتعهدها بالنشر والتوزيع ..فينفى إلى مدينة أخرى(اسبارطه)فى وسط تركيا ولكنه استمر فى التأليف والنشرويتزايد حوله التلاميذ والمريدين فيسجن..ثم يخرج من السجن وينفى إلى مدينه ثالثة(قسطمونى) ثم تلفق له تهمه محاولة قلب نظام الحكم فيصدر حكما بتبرئته من كل تهمه لكن النظام يواصل سجنه حتى سنة 1949م ..حين يأتي عام 1950 م على تركيا تكون الدنيا قد تغيرت كثيرا ويأتى للرئاسة (جلال الدين بيار) فيسمح بتكوين الأحزاب وتهدأ قليلا الحرب على الدين ..وتطبع رسائل النور ويسمح للشيخ بالتدريس تحت الرقابة..                                                        
***
ثم يجرى عليه ما يجرى على كل البشر وينتقل الى رحاب الله 23مارس 1960..ويدفن فى مدينه أورفة( جنوب شرق تركيا )... ثم تبدا رحلة الانقلابات المشؤمة  فى تركيا ويقوم أول انقلاب عسكرى فى 23 مايو 1960 بتفاهم أمريكى ويأتى (جمال الدين جورسيل) قائد الانقلاب رئيسا(الذى أعدم رئيس الوزراءعدنان الدين مندريس صاحب فكرة عودة الأذان باللغة العربية ) و يكون من أوائل قرارات جورسيل نبش قبر الشيخ الجليل ونقل رفاته إلى جهة مجهولة حتى الآن !! لا يعرف أحد مكان قبر الشيخ الجليل.. ولكم أن تتخيلوا القوة التى يخشاها قائد الانقلاب من رفات وقبر.
***
أدرك الشيخ سعيد رحمه الله أن الأمة أصيبت في مقتل بابتعادها وإبعادها عن دينها فركزعلى (إنقاذالإيمان بالله وخدمة القرأن )..الايمان بالله الواحد الأحد مالك كل شيء ومليكه قيوم السموات والأرض والذى يرجع اليه الأمر كله..(فأعبده وتوكل عليه). وهذه الحقيقة التى تستقرفى الوعى والوجدان فتجعل الإنسان المستخلف والمستأمن على الأرض مدركا لمعنى وجوده وحياته ومصيره ويصبح(إنسانا) صاحب فكرة ورسالة وهدف وهذا بالتمام ما جعل (جلادستون) يصرخ أنه لابد من إبعاد المسلمين عن القرآن ..وهى الصرخة التى نبهت      ( سعيد النورسى) إلى أهمية أن يغمر(نورالقرآن) قلوب المسلمين أولا وقبل كل شيء كقفزة واسعة للامام ..فقد كان كما قلنا متابعا جيدا للأفغاني وباقي الحركات الإصلاحية في العالم العربي وتحفظ على كثير من مواقفها  الأساسية.
***
يقول المتابعون للشأن التركي أن نشاط فتح الله جولان(المولود سنة1941م) والخصم اللدود لحزب العدالة والتنتمية الحاكم الأن فى تركيا  أنه كان بالاساس يقوم على نهج النورسى ورسائل النور تماما وكمالا .. فكان عمارالقلوب بأنوارالقرآن وعمارالعقول بنورالعلم ..فكانت مدارسه فى ربوع تركيا أقوى وأنجح المدارس تربية وتعليما..لكن  يبدو أن الطرق تعددت بها وأخذت مسارات يراها البعض أنها بعيدة عن مدرسة(رسائل النور)
كان تلاميذه( رسائل النور)يرون صورة الدولة الإسلامية(فى فهمهم) أنها(دولة الإنسان)الذي(يقيم الإسلام فى قلبه) أولا وثانيا وعاشرا..وتلقائيا ستقوم هذه الدولة على الأرض بين الناس والحياة ..عمل دعوى وتربوى فى العمق لا يلتفت إلا إلى التخلق بأخلاق القرآن ..فإذا أردت البناء عاليا فأبدأ بالحفر عميقا.. والقارئون للتاريخ والسياسة وتجارب الحكم والاصلاح يدركون ذلك جيدا..ويفرقون بوضوح بين الحفر العميق البطيء لتشييد صرح كبير..وبين الحرث فى الماء لمجرد( الطرطشة)..
وقديما قالوا المراجعة في الصواب خير من التمادي في الخطأ .لكن السعيد من اتعظ بغيره و العاقل من اتعظ بنفسه.. ولنا من أنفسنا ومن غيرنا خير واعظ.