السبت 26 سبتمبر 2020
توقيت مصر 10:09 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

صالح كامل الانسان والمفكر ورجل الأعمال

محمود يوسف بكير
منذ أيام قليلة انتقل إلى رحمة الله رجل الأعمال السعودي المعروف الشيخ صالح كامل. كان الرجل موهبة فذة تستحق الدراسة وطرازا فريدا من رجال الأعمال وكان قدوة لكل من عملوا معه، وباعتباري واحدا منهم رأيت أن من واجبي أن أكتب مقالا مختصرا عن فلسفته في العمل وسر نجاحه عسى أن يكون في هذا بعض الفائدة لشبابنا.
عملت مستشارا لصالح كامل لسنوات طويلة وأنا في منصف الثلاثينيات من عمري تعرفت خلالها عليه وعلى أسرته عن قرب وتعلمت من هذا الرجل الموسوعي الكثير وسافرت معه حول المعمورة لتقييم وإقامة الكثير من مشروعاته العديدة التي تنتشر في بلده السعودية وفي أكثر من 30 دولة في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا أسهمت في خلق عشرات أن لم يكن مئات الألاف من الوظائف. وما أود أن أؤكد عليه لشبابنا هو أن صالح كامل قد بدأ مسيرته الطويلة في النجاح والإنجازات من نقطة الصفر وكانت موهبته في التجارة منذ صغره وطموحه وسعة أفقه وخياله وقوة شخصيته وحبه للعمل والقراءة هي عدته للتفوق والتقدم في الحياة. وعندما التقيته لأول مرة بدت على محياه علامات الصرامة ولكن سرعان ما اكتشفت أن خلف هذه الغلاف إنسان مشحون بالعواطف والطيبة والتواضع الجم وحب العطاء. وكان حينئذ يمتلك مجموعة ضخمة من الشركات والمشاريع الكبيرة في المملكة السعودية من أهمها شركة عملاقة للصيانة تتولى مسؤولية صيانة الحرمين الشريفين في مكة والمدينة ونظافة بعض المطارات والمدن ويعمل في هذه الشركة وحدها آلاف العمال والفنيين والمهندسين والإداريين من الشباب السعودي ومن كل جنسيات العالم. بالإضافة الى امتلاكه لأساطيل من الحافلات وسيارات النقل الضخمة لنقل الحجاج والبضائع داخل المملكة، ومشاريع صناعية وزراعية وغذائية وتجارية وصحية ودعم للجامعات وطلابها ومراكز للأبحاث ومجمعات سكنية وترفيهية وفنادق في عدد من مدن المملكة. والحقيقة أن صالح كامل لم يترك مجالا دون أن يدعمه أو يستثمر فيه وكانت كلها مشروعات تنموية هادفة للربح وفي ذات الوقت تهدف لخدمة المجتمع ككل من خلال خلق المزيد من الوظائف للشباب وتحقيق غايته في تعمير الأرض.
ونفس الشيء فعله في معظم الدول العربية وحتى شركاته الاستثمارية التي عملنا فيها معه عبر العالم وبنوكه الإسلامية التي أقامها في حوالي 15 دولة  كان يحث المسؤولين عنها دائما أن يكون توجههم نحو التمويلات التنموية لخدمة المجتمعات التي يعملون بها.
أما بالنسبة لمشاريعه الإعلامية مثل محطات ART وغيرها فهي محطات ترفيهية بالأساس باعتبار أن الترفيه الراقي من مستلزمات الصحة النفسية السليمة.
وكان أول مشروع قمت بالاشتغال عليه معه هو مشروع ردم وتطوير بحيرة تونس المواجهة للعاصمة التونسية والذي أطلق عليه في تونس مشروع القرن. وأتذكر أنه بعد أول لقاء لي بالمهندسين الفرنسيين واطلاعي على دراساته المالية أن قلت له هذا يا شيخ صالح مشروع بنية تحتية ضخم ومكلف وطويل الأجل ولا تقوم به إلا الحكومات وليس المستثمر الخاص فرد بإنه يدرك كل هذا ولكن المشروع تنموي بامتياز وسوف يمثل امتدادا مطلوبا للعاصمة تونس ويخلصها من الروائح الكريهة المنبعثة من البحيرة وهو تحدي كبير ولكنه يرحب به وبالفعل نجح المشروع نجاحا كبيرا وهو الآن من أرقى أحياء العاصمة التونسية والفضل في هذا يرجع إلى هذا الرجل الخلاق.     
 وكما هو واضح فإن مشاريع وشركات صالح كامل كان الهدف الأساسي من إقامتها تحقيق مبدأ آمن به وروج له في كل مراحل حياته وهو تعمير الأرض مع المحافظة على مواردها وخلق وظائف جديدة وإعانة المحتاجين.
وإلى جانب شركات ومشاريع الأعمال هذه أسس صالح كامل صرحا آخرا للتنمية البشرية وأعمال الخير هو مؤسسة إقرأ بمدينة جدة والتي تمتد مشاريعها الإنسانية والخيرية ومشاريع حماية البيئة داخل السعودية وخارجها في عدد من البلاد العربية والإفريقية والأوروبية. 
 هذا النموذج التنموي نسميه في اقتصاديات التنمية بالتنمية المستدامة التي تحقق أرباحها من مشاريع تنموية حقيقية وليس من المضاربات وعمليات الهندسة المالية والمشتقات مع إهمال شبه تام لمعاناة الطبقات الفقيرة وتخريب وتلويث للطبيعة وكل مواردها وهي سمات وأمراض الرأسمالية الحالية والتي ارتضتها كل الأنظمة السياسية المعاصرة بما فيها الأنظمة الشيوعية السابقة.   
نعيش الآن محنة وباء فيروس الكورونا الذي تسبب ولازال يسبب دمارا كبيرا للاقتصاد العالمي وغير حياتنا وعاداتنا في التواصل الاجتماعي وحرمنا حتى من مصافحة ومعانقة بعضنا البعض ومنع أبناءنا وأحفادنا من الارتماء في أحضاننا. وأعتقد أنه لو استمر هذا التباعد الاجتماعي لمدة أطول مما يتوقع كل منا فإننا سنصاب بما هو أخطر من الكورونا وهو الاكتئاب النفسي وكراهية الحياة ذاتها وما يتبع هذا من أمراض نفسية وعضوية خطيرة. وكما ذكرت في العديد من مقالاتي السابقة فإن عدم تقديرنا واحترامنا لأنعم هذا الكوكب الجميل وإساءة استخدام موارده الطبيعية النادرة وغير المتجددة وتدميرنا لممالك الحيوانات والطيور والغابات وتلويث الأنهار والبحار والغلاف الجوي وحتى الفضاء أدي إلى حدوث اختلالات كبيرة وخطيرة في التوازن البيئي للأرض. وقد ذكرت قبل سنوات أن الطبيعة ذكية ولن تصمت طويلا على أفعال أسوأ مخلوقاتها وهو الانسان. الطبيعة الآن تنتقم وتسعى للتخلص من هذا المخلوق من خلال الزلازل المتكررة والأعاصير والفيضانات العنيفة ونوبات الجفاف الطويلة والحرائق الضخمة وغيرها وأخيرا جاء هذا الفيروس الخطير. وحتى إذا ما نجحنا في التعامل معه فسوف يأتي ما هو أخطر منه طالما أن الإنسان ماض في إسرافه الاستهلاكي ومستمرا في استهتاره وعدم احترامه للطبيعة ولأخيه المحتاج.   
ذكرنا من قبل كما ذكر غيرنا أن منظومة التنمية المستدامة هي وحدها القادرة على إنقاذ ما تبقى من كوكبنا وصالح كامل كان رائدا في تحقيق هذه المنظومة التي تجمع بين التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية ذات البعد الإنساني الذي يوفر الدعم الملائم للمحتاجين خاصة ما يتعلق بالرعاية الصحية والتعليم وإتاحة الفرص لهم، والأهم من هذا الحفاظ على الموارد الطبيعية وعدم استنزافها والحرص على الإبقاء على البيئة نظيفة بجدية ونية صادقة.  
هناك رسالة واضحة من وراء الهجوم المباغت لفيروس الكورونا ورحيل صالح كامل عنا في ذات الوقت تذكرنا بأهمية إحياء منظومة التنمية المستدامة بسرعة وقبل فوات الأوان للحفاظ على ما تبقى من كوكبنا. ومن ناحيتي فقد بدأت بالفعل في التواصل مع بعض زملائي في المجتمع الأكاديمي بغرض السعي لتقديم تعديلات كثيرة على ما ندرسه للطلاب في مختلف المراحل الدراسية والجامعية لتوعية أطفالنا وشبابنا بما يحدث من مصائب من أفعال الانسان عسى أن نغير من سلوكياتهم لحمايتهم من أنفسهم وضمان حق أجيال المستقبل في بيئة نظيفة ونصيب عادل من موارد الأرض.    
وبالرغم من مشاكله العديدة إلا أن صالح كامل لم يكن ينسى من عملوا معه وأحبوه فكان يتصل بنا من حين لآخر للاطمئنان علينا مثله مثل أي أب حنون. وكانت آخر مكالمة تلقيتها منه قبل نحو ثلاثة أسابيع من وفاته وكانت مكالمة مؤثرة وكأنها رسالة وداع فدمعت عينيي بعدها ولكن لم أتصور إنني لن أسمع صوته القوي مرة أخرى.
وداعا أستاذي ومعلمي لقد رحلت عنا بجسدك الذي أرهقته بالعمل الشاق والمتواصل حتى آخر لحظة من عمرك ولكنك لن تموت أبدا في قلوبنا وسوف تظل ذكراك العطرة حية وحاضرة في نفوسنا من خلال كل مشاريعكم التنموية والإنسانية المنتشرة في جميع أنحاء العالم. ودعائي أن يوفق الله أبناءكم وكل من يعملون معهم في الحفاظ على ما تركتموه لهم من إرث تنموي وإنساني لخدمة الملايين عبر العالم.

مستشار اقتصادي