الخميس 01 أكتوبر 2020
توقيت مصر 09:29 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

قويسنا .. في سينما يوسف وهبي !!

أمير شفيق
 
جلست أُشاهد فيلم" رجل لا ينام" الذي قام ببطولته الفنان يوسف بك وهبي مع الراحلة مديحة يُسري ، وتحكي قصة الفيلم عن الدكتور منير(يوسف وهبي) الذي أحبَ خَمْريَة (مديحة يسري) والتي تعمل مُطربة بملْهي ليلِي ، وقد أوهمته بحبها له كي تستنزف منه المال لمساعدة عشيقها المُجرم جلال أبو مشرط ( فريد شوقي)، وعندما يكتشف الدكتور منير حقيقتها يحاول قتلها ، ثم يفر هارباً ظناً أنه قاتِلها ، وفي نهاية الفيلم يُكتشَف أن أبومشرط هو مَنْ قتلها خنْقاً .
وبينما كنت أُشاهد أحداث الفيلم ، لفت إنتباهي مشهد .. تم تصويره  داخل حجرة بإحدي محطات القطار ، حيث تحدث موظف تحويلة القطار إلي زميله من خلال التليفون المصلحي للسكة الحديد ، قائلاً " محطة طنطا ؟!.. هنا طنبشا !!"، قاصداً أنه يُخاطبه من محطة قرية طنبشا !!
لحظتها كنت مُندهشاً عندما جاء إسم " طنبشا " في فيلم سينمائي ، فطنبشا هي القرية المُقابلة لمدخل قرية الرمالي - حيث مسقط رأسي ، وطنبشا حالياً تتبع بركة السبع ، أحد مراكز المنوفية ، برغم قُربها الشديد من " قويسنا ".
 وقرية طنبشا مُنْشئ بها محطة قطارعريقة جداً ، وعلي الرغم من أنها محطة فرعية ، إلا أن أهميتها تأتي من وقوعها علي خط السكة الحديدية الرئيسي القاهرة - الإسكندرية. 
 وبعد مرور ساعتين ودقيقة واحدة من أحداث الفيلم ، جاء مشهد آخر من نفس محطة طنبشا ، حيث خاطب المُوظف زميلاً له في التليفون المصلحي ، قائلاً :" سنترال محطة طنطا ؟؟.. وصلني لمحطة قويسنا !!".
وهنا زادت دهشتي عند سماعي لكلمة " قويسنا "، والتي أنتمي إليها ، وتعجبت للمرة الثانية من ورودها في سيناريو وحوار فيلم"رجل لاينام "، الذي تم إنتاجه عام 1948 م ، أي منذ حوالي 72 سنة ، حيث تتجلي قيمة هذا الفيلم في أن أبطاله هم العباقرة الأوائل للتمثيل الراقي ، كما أنه أحد أيقونات زمن الفن الجميل ، وجزء هام من سينما الأبيض والأسود الراقية !!
وقويسنا هي إحدي المُدن الرئيسية الواقعة علي طريق القاهرة – الإسكندرية الزراعي ، وتتبع المنوفية ، وإليها ينتمي كثير من الفنانين ، مثل الفنانة ماجدة إبنة قرية مصطاي ، والراحلة سناء يونس إبنة مِيتْ بِرَه ، والمُمثل أحمد عبدالوارث إبن قرية العجايزة ، وكذلك الفنان شفيق نورالدين إبن قرية بجيرم ونَجْلُه الفنان نبيل نورالدين ، ومن قرية كفر الشيخ إبراهيم خرج الراحل المخرج فايز حلاوة وإبن شقيقه الفنان أحمد حلاوة .
المهم .. أكملت متابعتي لفيلم " رجل لا ينام "، وفي مشهد آخر ظهر يوسف وهبي غاضباً ثائراً داخل جرارأحد القطارات ، مُهدداً سائقه بالقتل ، إذا لم يتحرك بالقطار قبل ميعاده ، ليصِل القاهرة في أسرع وقت .
ثم أدهشني من جديد ، أنه أثناء رحلة القطارالقادم من الإسكندرية للقاهرة والبارزعلي جانبية علم المملكة المصرية ، إلتقطت عدسات تصويرالفيلم ، يافطات لثلاث محطات بالسكة الحديدية ، أولهم يافطة محطة قويسنا ، ثم يافطة محطة قليوب ، ثم يافطة محطة شبرا !!
وحينها زاد شغفي لمعرفة الدافع الذي جعل مُخرج الفيلم ، يلقي بمزيد من التركيزعلي " قويسنا " مرتين بفيلم رجل لا ينام .. مرةً عندما تحدث موظف القطار قائلاً :" وصلني لمحطة قويسنا "، والأخري بإظهار" يافطة محطة قويسنا "، والتي ربما تلاشت معالمها ، بعدما سُجِلَتْ سينمائياً منذ أكثر من سبعة عقود.
لم أجد تفسيراً لحالة الإهتمام السينمائي بيافطة سكة حديد قويسنا برغم وجود محطات أكثر شُهْرة منها ، مثل محطة سيدي جابر ، ومثل محطتيْ طنطا وبنها اللتين تم ذكرهما بالفعل .
وليس مقصدي التقليل من شأن قويسنا كمركز حيوي بحُكم موقعه الجغرافي وكمحطة هامة من ضمن محطات سكك حديد مصر، وكمدينة جميلة في تنظيمها ، فمقامها ليس بالهين ، ولذا أسعدني الإشارة إلي قويسنا تحديداً في فيلم يحْمِل رُقِياً في قصته وأحداثه وتمثيل فنانيه ، وإقتناعي بأن " رجُل لاينام " علامة بارزة في تاريخ الموسوعة السينمائية !!
إستمرت رحلة بحثي عن سرالتلميح الذي شمل قرية طنبشا ومدينة قويسنا في سينما يوسف وهبي ، غير مُقتنع أنه كان من قبيل الصدفة ، مُستبعداً إنتماء مؤلف قصة " رجل لا ينام "، لطنبشا أو قويسنا ، لعِلْمي بأن بطل الفيلم ومُؤلفه وصاحب السيناريو والحوار، ومُخرجه هو الفنان يوسف وهبي ، إبن مدينة الفيوم .
وضعت إحتمالاً بأن أحد المشاركين في صِناعة " رجُل لا ينام "، والذي أبحث عن هويته المجهولة ، هو أحد أبناء قويسنا ، أو طنبشا التي كانت تابعة لقويسنا حتي خمسينيات أو ستيتيات القرن الماضي ، فأكرمه يوسف وهبي بتدوين إسم قريته ومركزه قويسنا معاً في ذاكرة سينما العهد الفضيل .
لم أقف عند ذلك الإحتمال ، وإنما إطَلعت علي السِيَرْ الذاتية للذين شاركوا في فيلم" رجل لا ينام "، من ممثلين ومنتجين ومُصورين وغيرهم ، فلم أجد منهم شخصاً ينتمي لقويسنا عدا الفنان شفيق نورالدين ، إبن قرية بجيرم ، كما ذكرنا سالفاً ، مما جعلني أفترض أن قويسنا ذُكِرَتْ بأروع أفلام يوسف وهبي ، تكريماً للقدير شفيق نورالدين .
أما الإحتمال الأرجح والأقرب لرحلة بحثي ، هو نزول يوسف وهبي إلي قرية طنبشا ، في سالف الزمان ، أثناء فترات أسفاره وتنقُلاته بفِرقته في ربوع مصر لأجل عرض أعماله المسرحية ، فعرض وهبي بعض مسرحياته لأهل طنبِشا فأسعدتهم كثيراً ، فأكرموا مثواه وفرقته ، مما جعل الفنان الأنيق يُدرِج إسم قريتهم طنبشا في قاموس السينما المصرية ، ومعها قويسنا التي إحتضنت طنبشا جغرافياً في قديم الزمان .
ولعل شمول الأرشيف السينمائي العتيق لحروف كلمتيْ قويسنا وطنبشا ، جعلني أعتز بهذا الأمر، فالسينما سِجل لتوثيق هيئات كل زمان ومكان .. وهي دار محفوظات لحفظ التراث السينمائي .. قويسنا الجميلة ، خلدتها ذاكرة سينما الفن الجميل !!