• الخميس 27 أبريل 2017
  • بتوقيت مصر05:09 ص
بحث متقدم

أمثلك يهدد شيخ الأزهر؟

مقالات

السفر

تهم

الهند

طائرة

الحكومة

قالها شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغى(1945-1881) لرئيس وزراء مصر فى الفترة من 1940 الى 1942 حسين سرى باشا وقت الحرب العالمية الثانية حيث رفض اشتراك مصر في الحرب قائلا:لا ناقة لمصر فيها ولا جمل مماأزعج الاحتلال البريطانى وقتها فبعث إنذارًا للحكومة المصرية فما كان من الباشا إلا أن وجه لومًا للإمام وهدده وطلب منه ان لا يقل مثل هذا الكلام ثانية إلا بعد الرجوع اليه فرد عليه الشيخ قائلا: (أمثالك يهدد شيخ الأزهر؟ فلتعلم أن شيخ الأزهر أقوى بمركزه ونفوذه بين المسلمين من رئيس الحكومة) فما كان من صاحبنا بل والاحتلال نفسه إلا الصمت المخزى .الشيخ المراغى تولى مشيخة الازهر مرتين الاولى عام 1928 ثم استقال بعد عام واحد فى ما لا سابق له ولا لاحق حيث لم يفعلها احد من شيوخ الازهر طوال تاريخه _ سيكون للشيخ الجليل عبد الحليم محمود موقف مشابه فى ظرف أخر_لكنه المراغى عاد قويا شديد المراس عام 1935 على اثر مظاهرات عارمة من طلاب الازهر. ويبدو ان مقولة كما بدات ستبقى بها من الصواب الكثيرإذ تقول لنا سيرته انه حين كان قاضي السودان عام 1910 إعتزمت الحكومة البريطانية أثناء احتلالها للهند الإحتفال بتنصيب الملك جورج الخامس إمبراطورا على الهند فأصدرت الأوامر إلى الأعيان وكبار الموظفين في السودان بالسفرإلى ميناء سواكن لاستقبال باخرة الملك وهي في طريقها إلى الهند حيث تتوقف لبعض الوقت وكان في مقدمة المدعوين قاضي السودان (الشيخ المراغي) وكان البروتوكول يقضي بألا يصعد إلى الباخرة أحد غير الحاكم الإنجليزي وأما من عداه فيمكثون بمحاذاة الباخرة ويكفيهم إطلالة الملك عليهم وعلم الشيخ ذلك الترتيب فأخبر الحاكم الإنجليزي بأنه لن يحضر لإستقبال الملك ألا إذا صعد مثله إلى الباخرة لملاقاته تحرج الإنجليز وكثفوا اتصالاتهم وغيروا الترتيب مرغمين،وصعد الشيخ المراغي السفينة وقابل جورج الخامس وصافحه وهو منتصب الهامة والقامة فقالوا له بعدها: كان ينبغي أن تنحني للملك كما ينحني كل من يصافحه فرد الشيخ في اعتزاز بدينه ونفسه وعلمه : ليس في ديننا الركوع لغير الله.
وكنت قد كتبت عن موقف مبكر لضباط يوليو من الأزهر ومشيخته رواه لنا العلامة الراحل د.رجب البيومى كان طرفاه الشيخ عبد الرحمن تاج شيخ الجامع الأزهروقتها(1958-1954م)، وقائد الجناح جمال سالم.. والذى حدث أن الشيخ (عبد الرحمن تاج) تلقى دعوة رسمية عام 1955م من (سوكارنو) رئيس جمهورية إندونيسيا لزيارتها والمشاركة فى احتفالها القومى بوصفه شيخ الأزهر وفى الوقت نفسه سافر وفد الحكومة برئاسة قائد الجناح (جمال سالم 1918-1968) ووضعه معروف بين(الضباط) الذين استولوا على السلطة فى مصر فى يوليو عام 1952، وسافر الجميع فى فى طائرة واحدة. ومرت الطائرة بباكستان أولاً وعندما هبطت كان الاستقبال بالغ الحفاوة بالوفدين وفى غيرها من البلاد.. فى إندونيسيا اختلف الأمر فكان الاستقبال بالغ الحفاوة بوفد الأزهر والشيخ الجليل وانصرف الناس – إلى حد الإهمال – عن وفد الحكومة وجمال سالم وهاج جمال سالم وكان معروفًا عنه سرعة الهياج وبذاءة اللسان.. وبعد انقضاء المظاهر الاحتفالية نادى على الشيخ عبد الرحمن تاج وقال له: لابد أن يرحل من معك من العلماء الآن وحالاً وتبقى أنت وحدك فقال له الشيخ فى حدة: سأرحل معهم الآن..وسكت جمال سالم ووجد أن موقفه سيكون فى غاية الحرج أمام مضيفهم فى إندونيسيا وحين عاد الشيخ عبد الرحمن إلى القاهرة عقد مؤتمرًا صحفيًا حول حفاوة الاستقبال لبعثة الأزهر فى رحله إندونيسيا وقابل البكباشى ج.ح. عبد الناصروحكى له موقف جمال سالم، فسكت ولم يعقب.ورأى بلؤمه الخبيث أن المعركة مع الأزهر ليس ذا وقتها المناسب اذ بعد ذلك بست سنوات سيصدرالقرار103عام 1961 بإعادة تنظيم الازهروتحويله إلى جامعة تدرس العلوم المدنية مع العلوم
الشرعية ووقع صدام مكتوم بين البكباشى والأزهرالذى كان شيخه فى هذا الوقت العالم الجليل محمود شلتوت .. كان القرار يهدف بالأساس الى تقويض سلطات الأزهر وسلب استقلاليته فاستبدل هيئة كبار العلماء التى كانت تتولى إدارة الأمور الرئيسية بالأزهر بمجلس من كبار مسئولى الأزهر بمن فيهم عمداء الكليات المدنية وأصبح تعيين شيخ الأزهر من سلطات رئيس الجمهورية وتم ربط مكتب شيخ الأزهر بمكتب رئيس الوزراء بدلاً من رئيس الجمهورية كما نُقلت تبعية ملكية الأوقاف التى كانت سببًا قويًا لاستقلالية الأزهر وعلمائه إلى وزارة الأوقاف. وأصبح للأزهر ميزانية تمنحها له الدولة وسلطتها التنفيذية.
اذا كنا نذكر الشيخ المراغى والشيخ تاج الدين والشيخ شلتوت بمفاخر مواقفهم العظيمة..سيكون علينا ان نذكر الشيخ الجليل عبد الحليم محمود(1977-1929) والذى أدين له شخصيا بأهم اضافات عمرى.. جاء فضيلة الشيخ الى مشيخة الازهر فى وقت حرج 27/3/ 1973 بعد أن كان وكيلا للأزهر ووزيرا للاوقاف وما كاد يمارس مسؤلياته وينهض بدوره حتى فوجىء بصدور قرار جمهورى فى7/7/ 1974م ليجرد شيخ الأزهر مما تبقى له من اختصاصات ويمنحها لوزير الأوقاف وشئون الأزهر لكن الشيخ عبد الحليم محمود أخذ موقفاً واضحاً وحادا وسريعا فقدم استقالته على الفور معتبرا أن هذا القرار يقلل من قدره ويعوقه عن أداء رسالته في مصر والعالم العربي والإسلامي. حاول المقربون من الشيخ مراجعتة في استقالته لكن الشيخ رحمه الله أصر على اسـتقالته وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه ورفض تناول راتبه وطلب تسوية معاشه ..هذه الاستقالة ذكرت الدنيا بموقف الشيخ المراغى مع الملك فؤاد والذى ذكرناه قبلا.. فأحدثت دوياً هائلا في مصر و العالم الإسلامي الأمر الذى أخضع رئاسة الجمهورية وأجبرها على التراجع وبالفعل أصدرالسادات قرارا جديداً فورا_كان السادات سياسيا بإمتياز رغم سؤاته الكثيرة_ جاء فيه: شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشئون الدينية والمشتغلين بالقرآن وعلوم الإسلام وله الرياسة والتوجيه في كل ما يتصل بالدراسات الإسلامية والعربية في الأزهر..ليس هذا فقط بل و تضمن القرار أن يعامل شيخ الأزهر معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش ويكون ترتيبه في الأسبقية قبل الوزراء مباشره. من الحكايات المحجوبة عن الرأى العام  قصة بالغة الخطورة ومليئة بالاشارات والدلالات ذلك ان غبطة البابا شنودة الثالث قدم اقتراحا للشيخ عبد الحليم محمود بتأليف كتاب دين مشترك اسلامى /مسيحى ويعمم على مناهج وزارة التربية والتعليم فاعتذر الشيخ الجليل عن قبول الفكرة ورأى فيها تمييعا للتربية الاسلامية الصحيحة فى المدارس ..غبطة البابا استدار الى السلطة وذهب الى وزير التربية والتعليم وقتها د/ مصطفى كمال حلمى وعرض عليه الفكرة التى لاقت استحسانه فأخبره البابا ان شيخ الازهر رفضها وفاتح وزير التربية الشيخ الجليل فى ذلك فرد عليه بصرامة قائلا: إن مثل هذه الفكرة إذا طلبت فإنما توجه إلينا من كبار المسئولين مباشرة ويوم يُطلب منا مثل هذه الكتب فلن يكون ردي عليها سوى الاستقالة فما كان من الوزير إلا أن استرضى الشيخ بأدبه المشهور وقدم اعتذارا له قائلا: إنني ما جئت إلا لأستطلع رأي فضيلتكم وأعرف حكم الدين ويوم أن تقدم استقالتك لهذا السبب فسأقدم استقالتي بعدك مباشرة. من المواقف العظيمة أيضا للشيخ الجليل موقفه من المحكمة العسكرية في القضية التى اشتهرت بـ(التكفير والهجرة) والتى كانت برئاسة اللواء حسن صادق فقد استعانت المحكمة بعدد من علماء الأزهر لابداء الرأي في فكرالمتهمين غير أنها لم تسترح لرأيهم الأمرالذي جعلها تصدرحكمها الشهير وقتها ولم تكتف بذلك بل وهاجمت الازهر وعلمائه بقولها: وا أسفا على اسلام ينزوي فيه رجال الدين في كل ركن هاربين متهربين من أداء رسالتهم أو الافصاح عن رأيهم أو إبداء حكم الدين فيما يعرض من أمور ..وكانت هذه الكلمات كافية لغضب الشيخ الجليل
فأصدر بيانا امتنعت معظم الصحف اليومية عن نشره عاب فيه على المحكمة التعجل وعدم التثبت وأنها لم تكن مؤهلة للحكم على هذا الفكروأنها تجهل الموضوع التي تصدت للحكم فيه !! وقال إن علماء الأزهر وجدوا في( قضية الفكر )تباعدا بينهم وبين موقف المحكمة فبينما تتصدي المحكمة للحكم بتجريم هذا الفكر أوعدم تجريمه يري علماء الأزهر من وجهة نظرهم أنها قضية رأي لا تحتمل غيرالحكم بالصواب أوالخطأ وبخاصة إذا لا حظنا أن ذلك يجري في مجتمع يتمتع بحرية الرأي والاعتقاد وأن هذه الحرية خلافا لما يراه علماء الأزهر إلي حد السماح للفكر الإلحادي من أن يكون له فلاسفته ودولته وناشروه.
تاريخ عريق طويل من النضال النبيل قدمه الازهر ورجاله عبر اكثر من الف عام حاملا أنوار الهداية والوسطية مجاهدا وحارسا أمينا على الدين والوطن أقول وأقول وأذكر بها ونحن نتابع عبث العابثون وتفاهة التافهون من تجار المواقف السفيهة ..الذين وجدوا فى الأزهر وشيخه مرمى جيدا لينالوا من الدين ذاته لكنهم لا يملكون الجرأة على اعلان ذلك كما وصف العقاد (تلاميذ أوروبا)فى الاربعينيات ..ستنساهم الدنيا والناس كما ينسى كل صفيق عياب جهول.. وسيذكرون أهل العلم والفضل والأمانات الأوفياء لدينهم ووطنهم بخيرات مواقفهم العظيمة وثبات قلوبهم وعقولهم على طريق الحق والنور والهداية.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على قرار «الأوقاف» بإلغاء مادة التربية الإسلامية في المدارس؟

  • شروق

    05:19 ص
  • فجر

    03:49

  • شروق

    05:19

  • ظهر

    11:57

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:36

  • عشاء

    20:06

من الى