• الجمعة 20 أكتوبر 2017
  • بتوقيت مصر12:39 م
بحث متقدم
ساسة بوست:

"الحشاشين" في جماعة الإخوان

الحياة السياسية

شاب الإخوان- أرشفية
شاب الإخوان- أرشفية

وكالات ومحمد منيسي

أخبار متعلقة

تحقيق

الإخوان

الحشيش

3 يوليو

ساسة بوست

كشف تحقيق صحفي موسع عن تحولات خطيرة، لدى بعض شباب جماعة الإخوان المسلمين، عقب أحداث الثلاثين من يونيو 2013 وعزل الرئيس محمد مرسي من سدة الحكم ليلقي الضوء على بعض التجارب لدى هؤلاء الذين تحلوا من فكرة الالتزام الديني وما تربوا عليه في الجماعة إلى العكس تماما .

التحقيق الذي نشره موقع "ساسه بوست" وتابعه "المصريون"  تواصل مع هؤلاء الشباب وكانت الصدمة الكبرى أن نسبة كبيرة منهم أصبحوا نتيجة الأحداث الماضية وما شهدته مصر خلال الأعوام الماضية من أحداث جسام  إلى "حشاشين"، ومنهم  من تناول "الكحول" بل وصل الأمر إلى إقامة علاقات مع بعض الفتيات على ، ليس فقط لمجرد إقامة صداقات بريئة، وإنما أحيانًا لمحاولة حتى إقامة علاقات جنسية.

 هذه الحياة، التي بدأت لديهم في فترات تتراوح ما بين أواخر عام 2015 وأوائل 2016، تبدو وكأنها لم تتحرر فقط من القيود التنظيمية للجماعة، وإنما حتى من الوازع الديني للأخلاق وهو ما يستدعي إعادة تأهيل نفسي واجتماعي لهذه الظاهرة حماية لمصر وأمنها وليس فقط لمجرد أنهم أبناء الجماعة.

وإلى نص التحقيق:

جربت تصطبح في الجامعة؟


لسابق معرفتي به، ولأسبقية التحاقه بالجامعة، لجأت إليه ضمن من لجأت لهم أول التحاقي بها – قبل ست سنوات- في رحلة البحث عن سكن مناسب، أجابني بعرض سخي لا يكتفي بشقة، وإنما يشمل مجتمعًا طلابيًّا هو الأكبر والأهم في جامعتنا، الجامعة هي الأزهر، والمجتمع الطلابي هم طلاب الإخوان المسلمين، والعرض كان ضمن ما أخبرني لاحقا أنه «دعوة فردية»، لذا فحينما عرضت عليه قبل أيام فكرة إجراء هذا التحقيق، وأجابني بسؤاله «جربت تصطبح في الجامعة؟» – والاصطباح في عرف المصريين هو تدخين الحشيش– استحضرت ذاكرتي عرضه القديم ذاك لأنتبه فجأة إلى حجم المفارقة.

هذه المفارقة ربما لم تفوقها عبثية إلا صورة أرسلها لي قبل حوارنا بأسابيع، ليريني بفخر أول سيجارة حشيش لفها بيديه، لم تكن المفارقة في السيجارة نفسها، إنما في سجادة الصلاة التي غطت الأرض أسفل يده حاملة السيجارة، مسرح أحداث العملية، «كنا يوم جمعة فكان لازم ألفها على المصليّة»، هكذا قال لي حينها.

فقط بعدما أصبح مطاردًا بأحكام بالسجن جاوزت الستين عامًا، بلغت أخلاقه حدًّا من العدمية يفوق أي توقع.

منذ أحداث الثالث من يوليو في مصر وما أعقبها، تناولت العديد من المواد الصحافية والبحثية ظاهرة شباب الإخوان الذين تحولوا بعد الأحداث الجسام التي لحقت بهم وبجماعتهم في تجاه الإرهاب والعنف، لكن ما لم يسلط عليه الضوء هو ذلك القطاع الكبير منهم الذي اتجه إلى الطريق العكسي تمامًا؛ العدمية التامة، وهو ما سيحاول هذا التحقيق المكون من حلقتين، تسليط الضوء عليه.

إخوان إخوان؟

أي محفل جمعك من قبل أو تصورت أنه قد يجمعك يومًا بشباب جماعة الإخوان المسلمين؟

مظاهرة؟ مسجد؟ حملة خيرية؟ أسرة طلابية بالجامعة؟ أغلب الظن أنك لن تجتمع بهم في محفل كالذي شهدته متوسطًا جلسة في شقة يسكنها عدد منهم، يتداولون فيما بينهم سجائر الحشيش بشكلها المخروطي المألوف بعدما أعدها أحدهم بمهارة، جلست أراقب في دهشة «كلكم إخوان مسلمين؟»، (سنستعير ها هنا اسمي «حذيفة» و«خالد» استجابة لرغبتهما في الاحتفاظ بسرية الهويات لاثنين منهم سيشاركاننا الحديث خلال السطور القادمة).

أجابني حذيفة «كلنا»، وأردف ضاحكًا: «أبناء المؤسسة إن شئت استخدام مصطلحنا التنظيمي»، أسأل ثانية: «متى انضممتم للجماعة؟» فيروي أنه لم تكن لديه بداية؛ جاء إلى الحياة ليجد عائلتيه من جهتي الأب والأم من أعضاء الجماعة، فنشأ هكذا، وأحب الفكرة وأقبل عليها.

يختلف خالد عن حذيفة، فقد انضم إلى الجماعة برغبة وقرار شخصي منه في سن المراهقة، ويشترك الاثنان في التزامهما التنظيمي وانخراطهما في نشاط الجماعة حتى أواخر عام 2015 تقريبًا، الاثنان نجيا من أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، وشاركا فيما تلاها من تحركات للجماعة بالتزام تنظيمي كامل، وأكدا تمسكهما به رغم ما نالهما من أضرار جراء هذه الفاعليات، أقلها التأخر في الدراسة إما بالإضراب عنها، أو بالفصل من الجامعة، وأعلاها ما نالهما من أحكام بالسجن، مرابطين على أمل انفراج الأزمة التي تمر بها الجماعة في صراعها مع الدولة المصرية منذ عزل الرئيس محمد مرسي في بيان الثالث من يوليو (تموز) 2013.

«وما زلتم أبناء المؤسسة؟»، يقول حذيفة إنه لو كان ثمة حصر ستجريه الجماعة لأعضائها فسوف يكونان معدودين ضمن هذا الحصر، لكن العلاقة التنظيمية والتواصل الإداري مع قيادات الجماعة الآن «صفر في المائة، علاقتنا بالجماعة حاليًا لا تتجاوز عاطفة تجاه أناس تربينا وسطهم وأحببناهم، علاقات اجتماعية شخصية بحكم العشرة فقط، نحن ننتمي لهم، حتى أنني لو فكرت في الزواج سأتزوج من بينهم، هذا هو المجتمع الذي تربينا وعشنا فيه، وفيه نجد أنفسنا ونجد أناسًا يشبهوننا ويفهموننا، هذه كل علاقتنا بهم الآن».

علمانية الأخلاق: «الدين لله والدنيا أجمل من الآخرة»

لا يقتصر نمط الحياة الجديد لدى حذيفة وإخوانه على تدخين السجائر أو حتى الحشيش، فالمشروبات الكحولية حاضرة أحيانًا، وحتى انفتاح العلاقات على الجنس الآخر، ليس فقط لمجرد إقامة صداقات بريئة، وإنما أحيانًا لمحاولة حتى إقامة علاقات جنسية. هذه الحياة، التي بدأت لديهم في فترات تتراوح ما بين أواخر عام 2015 وأوائل 2016، تبدو وكأنها لم تتحرر فقط من القيود التنظيمية للجماعة، وإنما حتى من الوازع الديني للأخلاق.

«يمكنك القول إنها علمانية ولكن غير فكرية، علمانية أخلاقية»، يضيف حذيفة ويشرح: «لم أعد أضع لنفسي القيود التي كنت أضعها سابقًا، ربما لن أكذب أو أسرق مثلًا، لكن ممكن أدخن أو أصاحب بنات، لم أعد أصلي تقريبًا إلا حينما تضطرني الضرورة للحرج من شخص ما».

ربما أصبح ملحًا أن نفهم الآن ما الذي قد يقود مجموعة من شباب التنظيم الإسلامي الأكبر حجمًا والأوسع نفوذًا في العالم لانتهاج هذا النمط من الحياة، في ظرفه التاريخي الأصعب، وأن نحاول أيضًا معرفة حجم هذا التوجه في صفوفهم.

لجنة فبراير: المحطة الأخيرة

في شهر فبراير من عام 2014 تشكلت ما سميت بـ «لجنة فبراير» لإدارة الأزمة بجماعة الإخوان المسلمين، بهدف الخروج بالجماعة من الأزمة التاريخية التي تهدد وجودها بالكامل في مواجهة النظام المصري، خاصةً مع اعتقال عدد كبير من قياداتها وعلى رأسهم المرشد العام «محمد بديع».

تولى قيادة اللجنة عضو مكتب الإرشاد آنذاك «محمد كمال»، وفي منتصف العام نفسه ظهرت بوادر خلاف بين أعضاء اللجنة من ناحية، وبين القيادة التاريخية للجماعة من ناحية أخرى، على رأسها محمود عزت، نائب المرشد، ومحمود حسين، الأمين العام للجماعة، تعلق الخلاف بمنهجية العمل التنظيمي للجماعة خلال تلك الفترة، بين لجنة فبراير، التي ترى ضرورة تبني «المنهج الثوري المبدع»، وتكوين لجان نوعية تتمثل مهمتها فيما تصفه بمقاومة ما أسموه بـ «الانقلاب» بالسلاح دفاعًا عن النفس، وبين القيادة التاريخية للجماعة، التي ترى ضرورة الاستمرار على منهج السلمية؛ حفاظًا على تماسك الجماعة من وجهة نظرها.

وبينما حاز جناح القيادة التاريخية تأييد ما يسمى بالتنظيم الدولي للجماعة، فإن جناح لجنة فبراير قد حاز تأييد جانب كبير من قواعد الجماعة وعدد من المكاتب الإدارية للمحافظات المصرية، من بينهم محدثونا الذين أظهروا سخطًا كبيرًا على جناح القيادة التاريخية. يشبّه حذيفة استراتيجية هذا الجناح في إدارة الجماعة بإعطاء مسكن البنادول لمريض سرطان، ويقول: «مجرد مسكنات تافهة، لا هي تستطيع أبدًا التعامل مع حجم الألم، ولا أنت تتخذ قرارًا لإجراء تدخل جراحي للمريض».

بعد إلحاح في السؤال، يصرّحان أنهما قد سبق لهما الانضمام للمجموعات المكلفة بالقيام بعمليات نوعية عنيفة ضد قوات الأمن، ينضم إليهما اثنان آخران من جلساء الأنس في هذا الاعتراف، ويكتفون به رافضين ذكر أي تفاصيل، غير أنهم يتفقون على أن هذا الجناح في الجماعة بدوره تميز بالعشوائية والاندفاع، وغياب التخطيط، وقلة الخبرة والإمكانات.

بالإضافة لذلك يعلن ثلاثة منهم تراجعهم ورفضهم الحالي لهذا المسار؛ فقد وصفه أحدهم بأنه «غير صالح للواقع المصري لأسباب تاريخية وجغرافية واجتماعية وسياسية»، بينما يصر رابعهم على أنه المسار الصحيح لو توافرت له الإمكانات والتخطيط المناسب، وأن المصالحة لا تجوز بعد كل ما سال من دماء.

في كل الحالات كانت لجنة فبراير هي محطة الجميع الأخيرة قبل اتخاذ القرار بالتوقف تمامًا عن المشاركة في أنشطة الجماعة، إلا أنهم قبل الوصول لهذه المحطة كان بعضهم قد تم اتهامه بالفعل في عدد من القضايا، قالوا إنها تتعلق بأحداث لم يشاركوا فيها. أحدهم حُكِم عليه غيابيًّا بالسجن عشر سنوات، وآخر حصل على مجموع أحكام غيابية جاوزت الستين عامًا، ما جعله يعيش الآن مطاردًا يغير مكان سكنه كل فترة، ولم يتمكن من زيارة أهله منذ أكثر من عامين.

انسحاب غير معلن.. «لماذا كل هذه الجدية؟!»

مع تصاعد الخلاف بين جناحي الأزمة في الجماعة الذي بلغ حد الانقسام بين طرفين يتبادلان الاتهامات، وقرارات تجميد العضوية والإحالات للتحقيق، فضلًا عن عدم اعتراف كل منهما بشرعية الآخر مسؤولًا عن الجماعة، سيطر الإحباط على هؤلاء الشباب وتدرج انسحابهم من نشاط الجماعة.

يقول خالد: «اكتشفت أن الجماعة نظامها عقيم، القيادات أغلبهم يسعى لمصالح شخصية، والمنظومة فاسدة من الداخل، والعمل على الأرض عشوائي، ولا يؤدي إلا إلى المزيد من الخسائر والضحايا»، ويضيف: «كنت أعطي الجماعة الأولوية في حياتي على حساب دراستي وعملي، وكنت مستعدًا لأي تضحية لو أنني أرى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وغيري من أعضاء الجماعة ضحوا بحريتهم، أو وظائفهم، أو مستقبلهم التعليمي، أو عاشوا مطاردين، أو حتى تعرضوا للقتل، لكن الحقيقة أن كل التضحيات كانت تضيع هباءً، الجماعة تتراجع إلى الخلف، بينما النظام يقوي صفوفه ويثبت وجوده بمرور الوقت، وهذا الفشل يرجع بالأساس لسوء الإدارة في الجماعة، وغياب الفكر والرؤية، فقررت أن أتوقف وأحاول التعايش مع الواقع».

سألته إن كان قد واجه مسؤوليه في الجماعة بقرار الانسحاب، فقال إن ذلك لم يحدث مباشرة حاكيًا: «بدأت الرفض والاعتذار عن المشاركة بالتدريج بحجج مختلفة، حتى فقدوا الأمل، وأنا لم أعد مهتمًا حتى بما يدور داخل الجماعة، كل ما يهمني هو خروج المعتقلين من السجون، وبخلاف ذلك فليحلوا هم مشاكلهم مع بعضهم».

«نقاط سوداء في جلباب أبيض»

يلتقط حذيفة طرف الحديث لينطلق قائلًا: «أنا كنت أظن أن جماعة الإخوان حتى وإن مارست بعض الأخطاء فهي لا تعدو كونها أخطاء بشرية، لم أتصور أن المسألة تتجاوز فكرة الخطأ البشري لفكرة الفساد، ولم أتصور مطلقًا أن يكون فسادًا بهذا الحجم، لم تعد الصورة كما كانت في ذهني جلبابًا أبيض بدون نقطة سوداء» ويتابع: «كثيرون اكتشفت أن الهدف الوحيد من دخولهم الجماعة هو الوصول لمناصب، وتحقيق مكاسب مادية، وكثيرون من وصلوا لمناصب غير مؤهلين لها نتيجة الفساد الإداري بالجماعة، والإعلام الإخواني ماذا يقدم أو يفعل غير ترويج المخدرات الفكرية؟».

يسحب نفسًا من السيجارة، ثم يشرح ما بدا من حدة في لهجته، وسيل الاتهامات التي وجهها: «قنوات الإخوان مثلًا يصرف عليها من أموال أعضاء الجماعة التي تجمع لدعم أهالي المعتقلين والشهداء، وهذه الأموال تستخدمها قيادة الجناح التاريخي للجماعة في الضغط على المخالفين لها من مكاتب وأعضاء الجماعة، الأموال التي يقتطعها أعضاء الجماعة من أقوات بيوتهم لأجل أن تصرف في طريق واحد، وهو دعم أهالي المعتقلين والشهداء، أنت تستخدمها في دفع مرتبات بآلاف الدولارات لإعلاميين بعضهم كان أصلًا ضد الإخوان، وساهم في الحشد للانقلاب عليهم، وتلوي بها ذراع المكاتب الإدارية التي لا تتبع جبهتك، وتوقف الدعم عن المعتقلين وبيوتهم، هذا حدث بالفعل في محافظة الفيوم».

ويستطرد: «أعرف شخصًا والده مطارد أمنيًّا، وليس لدى أسرته مصدر دخل سوى ما توفره الجماعة من دعم مادي، هذا الشخص توقف عن المشاركة في السلاسل البشرية التي تنظمها الجماعة لأنه رأى أنها لا تحقق أي فائدة، ورغم أنه يتبع محافظة تتبع الجناح التاريخي للجماعة بقيادة محمود عزت ومحمود حسين، إلا أن الجماعة أوقفت الدعم عنه بسبب توقفه عن المشاركة في نشاطها، مما اضطره للعودة للنشاط عن غير رغبة أو اقتناع منه، حتى أنه توقف عن التصريح بآرائه الشخصية على فيسبوك».

يواصل كلامه: «أشياء كثيرة مثل هذه تكشفت لي في الطريق، فأوقفت نشاطي تمامًا، شكرًا خلاص، كان لديك طاقة شاب وحياته كانت مسخرة كلها في سبيل فكرة معينة، ثم شوهتها أنت، ولم أجد نفسي في شيء آخر، فأصبحت كما ترى، لا أتحرك حاليًا دون علبة سجائري، أدخن الحشيش بانتظام، جربت الكحول عدة مرات، توقفت عن الصلاة، أسعى لصداقة الفتيات، وأحيانًا حتى للدخول في علاقة جنسية، ورغم ذلك ما زلت مقتنعًا بحرمانية ما أسلكه في حياتي الجديدة».

الفكر غلَّاب

إزاء ما ذكروه من اعتراضات حادة ضد منظومة الجماعة، وسلوكيات مخالفة لمنهجها كل الخلاف، سألتهم إن كانوا ما يزالون على اقتناعهم بأفكارها أم أن التحول طال فكر الجماعة نفسه؟ يقول حذيفة: «الأصول والأفكار العامة ما زالت موجودة، يعني أفكار الخلافة، وتحكيم الشريعة مثلًا، فكرة الحاكمية لله، وفكرة الحرية بمعناها الشامل التي أراها فريضة إسلامية أصلًا، بمعنى ألا يكون لأحد سلطان عليك غير ضميرك وإيمانك بالله. بشكل عام الدوافع التي تحرك فكري ما زالت هي الدوافع الإسلامية وأفكار الجماعة، أما مدى تطبيقنا لها الآن فهو شيء منفصل، لم يحدث لنا تحول على المستوى الفكري، ربما فقط بدأت أرى الأمور من منظور أوسع ولم تعد لدي العصبية في النظرة للآخر التي كانت لدي من قبل».

أسأله إن كان هذا التحول يشبه التحولات التي حدثت لمجموعات من شباب الجماعة انفصلوا عنها في عامي 2011 و2012 في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، فيما وصفته الجماعة ذات مرة بأنه «تلفظ خبثها»؟ فيجيبني: «ما حدث لنا هو تحول نفسي وأخلاقي بالأساس، أما تلك المجموعات فقد كان تحولها فكريًّا بالدرجة الأولى، حتى وإن نتج عنه تحول أخلاقي في بعض الحالات فإنه كان تحولًا أخلاقيًّا ناتجًا عن قناعات فكرية جديدة، الحالة هنا مختلفة، بالإضافة لأنهم كانوا نسبة ضئيلة، أنا شخصيًّا عرفت ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط تحولوا في تلك الفترة، أما الآن فالنسبة أكبر بكثير».

كم تبلغ نسبة «الحشاشين» في الجماعة؟

أردت معرفة إن كان ما وجدت نفسي بصدده يمثل ظاهرةً، أو حالة عامة بين شباب وأعضاء الجماعة. لا تتوفر طريقة إحصائية مناسبة لقياس نسبة هذا التحول، لذا لم يكن متاحًا الاعتماد إلا على ما يرصده هؤلاء الشبان في دوائرهم بالجماعة، طلبت إجابة منفردة من كل واحد من الجالسين، وفي وقت لاحق اعتمدنا على شهادة آخر من الجماعة في جولة وسط بعض شبابها بجامعة الأزهر لاستطلاع رأيهم، ليس فقط حول موقفهم الشخصي من هذا الاتجاه، وإنما أيضًا حول نسبة وجوده بين معارفهم من أعضاء الجماعة.

الغريب أن الكل اتفق على أن نسبة من توقفوا عن نشاطهم بالجماعة تمامًا لا تقل عن 95%، بعضهم حتى سخر من تقدير نسبة الملتزمين تنظيمّيًا بـ 5% واعتبرها مبالغة، أحدهم قال إن من يشارك الآن يكون مضطرًا أو مجبرًا، غير أن إجاباتهم تباينت في تفصيل هؤلاء الـ95%، فيما يمكن إجماله كالتالي:

تراوحت تقديراتهم في نسبة ما بين 20 و40% ما زالوا محافظين على أخلاقيات الجماعة والتزامهم الديني، ونسبة تتراوح ما بين 40 و50% اهتز التزامهم الديني والأخلاقي إلى حدود من قبيل التدخين أو إقامة صداقات مع الجنس الآخر، ونسبة تتراوح ما بين 10 و40% تجاوزت ذلك إلى سلوكيات من نوعية تعاطي الحشيش وشرب الكحول وإقامة علاقات جنسية، أو ما وصفه أحدهم ساخرًا بمرتكبي الكبائر، تفرقة لهم عن سواهم ممن اكتفوا بما دون ذلك من «الصغائر».

يقول خالد: «حتى هؤلاء المحافظون على التزامهم قد صاروا أكثر تقبلًا لحدوث هذه التغيرات، ولم يعد يصدمهم أو يغضب أحدهم مثلًا لو رأى إخوانه قد تحولوا كذلك».

أترضاه لأختك؟

حاولنا أن تكون المصادر التي نرصد من خلالها الظاهرة محل التحقيق أكثر تنوعًا، سألت حذيفة إن كان بإمكاني التواصل مع بعض فتيات الجماعة اللاتي ربما يكن قد مررن بتحولات مشابهة، فقال إن نسبة هذه التحولات لدى الفتيات ضئيلة جدًّا، ربما لا تتجاوز الحالات الفردية، وأن التواصل معهن لن يكون ممكنًا.

سألته إن كان يعرف فتيات مررن بنفس التجربة؛ فأجاب: «أعرف بنتًا من الجماعة جربت تدخين الحشيش، وأعرف حالات لولا أنها مسائل أعراض كنت حكيت لك وقائع شهدتها شخصيًّا ولم تنقل لي»، قبل أن يستطرد بلهجة مذنبة: «ما زلت أعتبر أن بنات الإخوان يمتن لي بصلة، أنت ممكن تصيع برة لكن مش هتصيع مع أختك، أنا أرى أن بنات الإخوان هن عِرضي وشرفي، وأنزعج جدًّا ويفور دمي إذا عرفت أن بنتًا من بنات الإخوان مارست مثل هذه السلوكيات، ?ن الرابطة الإنسانية على أعلى درجة كما أخبرتك، لو عرفت أن فتاة من الإخوان سارت في هذا الطريق لن أحب ذلك وسأسعى لتغييرها، حتى لو لم تكن لي صلة بها سأحاول تنبيه أحد معارفها».

«عاوزنا نرجع زي زمان؟»

لماذا لم يستقيلوا من الجماعة؟ وهل يوجد لديهم احتمال أو رغبة في العودة لممارسة نشاطهم بها يومًا ما؟ قالوا إنهم ربما يريدون أن يتركوا خط رجعة لاحتمالية العودة، بالإضافة لأن الاستقالة من عدمها لن تفيد أو تضر في شيء، فضلًا عن أنه لا يوجد هيكل إداري مستقر يمكن إعلامه بالانفصال عن الجماعة، كما اتفقوا على أولوية خروج المعتقلين قبل أي حديث عن إمكانية عودتهم للصفوف، واتفقوا أيضًا على ضرورة تنحية قيادة الجناح التاريخي للجماعة كلية، يقول خالد: «هؤلاء كانوا سبب الأزمة ولن يكونوا حلًّا للمشكلة، قيادتهم على مدار 30 عامًا هي التي أوصلت الجماعة لهذا السقوط، لا المنطق ولا الأخلاق تقبل أن يستمروا في إدارة الجماعة، لا نريد منهم شيئًا، سنعتبرهم مجتهدين أخطؤوا، بإمكانهم قضاء باقي حيواتهم في المساجد يستغفرون الله على ما صنعوا، لكنهم شركاء في الأزمة وفي كل الدم الذي سال بسوء إدارتهم»، مواصلًا حديثه بسب القيادات.

يضع حذيفة شرطًا إضافيًّا: «أنا شخصيًّا أحتاج أولًا لتأهيل نفسي، أحتاج لاستعادة نفسي واستعادة أشياء كثيرة ضاعت مني، ثم نرى ما يمكن عمله، هل ستعالج الجماعة أخطاءها؟ كيف ستعمل وفي أي إطار؟ هل ستفصل العمل الدعوي عن الحزبي؟ ستتوقف عن العمل بالسياسة تمامًا؟ سنرى وقتها، لكن بالتأكيد من المستحيل قطعًا أن نعود لما كنا عليه».

لكنهما اختلفا حول الشكل الذي يراه كل منهما مناسبًا لعودة نشاط الجماعة، خالد من ناحية يصر على أن العنف هو الطريق الوحيد الذي ينبغي على الجماعة أن تسلكه، فالعنف لا يقاوم إلا بالعنف، ولا مصالحة على الدماء من وجهة نظره، أما حذيفة فيرى أنه لا حل إلا المصالحة، فالحلول العنيفة لن تكون صالحة للتطبيق في مصر.

ويستطرد حذيفة: «لكن المصالحة لكي تتم لا بد أن تكون بين طرفين متساويين أو متقاربين في القوة، لكن الوضع الآن أن هناك طرفًا قويًّا وطرفًا ضعيفًا تمامًا، فالطرف الضعيف ينبغي عليه أن يقبل بأي حل، لكن المشكلة أن الدولة لا تقدم عروضًا للمصالحة، لأنها لا تريد التصالح مع الجماعة أصلًا، والجماعة كل مدى تعود إلى الخلف أكثر، بينما الدولة تواصل تقدمها، السيسي قال لياسر علي في اجتماع بعد الانقلاب أنا جئت لأنجح فيما فشل فيه عبد الناصر، فالنظام لا يريد المصالحة، والجماعة غير موحدة على رأي واحد، والذين يقولون لا للمصالحة لا يقدمون بديلًا، والذين يقولون نعم للمصالحة لا يقدمون وسيلة، فأنا شخصيًّا لا أعرف الحل، ربما تأتي المصالحة حينما يجد جديد في الوضع السياسي الداخلي أو العالمي، يجعل النظام يرى أنه يحتاج إلى الإخوان، أو إلى الاستقرار، ربما حتى يخرج الناس لتغيير النظام، لكن الجماعة لن تكون فاعلًا في إنهاء أزمتها مع النظام، المبادرة ليست في يدها، لا تملك إلا الانتظار ورد الفعل».

من بين الاثنين يعلو صوت ثالث لأحد الشباب، يبدو الأكثر تشاؤمًا بمستقبل الجماعة: «الجماعة لن تعود مرة أخرى، حتى لو خرجت من هذه الأزمة مثلما خرجت في عهد السادات من الأزمة التي مرت بها في عهد عبد الناصر، الجماعة الآن بها من الفساد والخيانة الداخلية ما يمنع عودتها كالسابق، هؤلاء المنقسمون وصل الأمر ببعضهم إلى التعاون مع الأمن لتسليم قيادات الجناح المخالف، فعن أي عودة نتحدث؟».

انتظرونا في الجزء الثاني الذي يحتوي على رد القيادات على آراء الشباب ها هنا.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد استبعاد "كوبر" عن تدريب المنتخب قبل المونديال؟

  • عصر

    02:57 م
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:06

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:57

  • مغرب

    17:23

  • عشاء

    18:53

من الى