• السبت 18 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر12:11 م
بحث متقدم

جزيرة الوراق.. الحل الأمني لا يكفي!

وجهة نظر

جمال المنشاوي
جمال المنشاوي

د. جمال المنشاوي

أخبار متعلقة

أن تمارس السياسة بأسلوب رجل الأمن فقط فهذا لا يكفي, فالسياسة فن تجنب المشاكل قبل وقوعها, وحلها بأقل الخسائر بعد وقوعها, أما أن تكون أنت وأنت المسئول عن الحل, العامل الرئيسي في خلق المشكلة فهذا دليل خلل في التركيبة السياسية, وانفصام في طريقة الإدارة, أمّا وإن الأمر الآن في مصر صار مضحكاً مبكياً من حيث قدرة الإدارة المسئولة عن البلد في خلق المشكلات من العدم, وعدم وجود أفق أو خيال أو إرادة سياسية لحل الأزمات, بل كبر وتعنت وقدرة غير مسبوقة علي خلقها إن لم تكن موجودة, أو تعقيدها إذا كانت بسيطة, ثم تركها تتراكم بكل تداعياتها لتكون جرحاً نازفاً, أو قنبلة موقوتة تنفجر في أي وقت.
هذه المقدمة تنطبق تماماً علي ما نحن بصدده من مشكلة جزيرة الوراق التي يبلغ مساحتها 1600فدان ويقطنها 60 ألف نسمه, وتقول الدولة إن أهلها يستولون علي أراضي الدولة, ولابد من إزالة التعديات وفقاً للخط العام السائد باسترجاع أراضي الدولة المعتدي عليها, لكن الأهالي يقولون أنها أرضهم يمتلكونها بعقود ملكية صحيحة موثقة, وللدولة فقط 60 فداناً, 30 فداناً للأوقاف, و30 أملاك دولة, وصدر لهم حكم من القضاء الإداري بصحة موقفهم عام 2002, وهم علي استعداد لشرائها أو إعادتها للدولة, وليس أراضي كل الجزيرة.
الدولة وبتعليمات من السيسي الذي ألمح إلي هذه الجزيرة تحديداً في أحد خطبه وطالب المسئولين بإزالة التعديات, جيّشت حملة أمنية مكبرة لاقتحام الجزيرة وطرد الأهالي منها بزعم التعدي علي أملاك الدولة, الأهالي استنفروا كل قواتهم وقدراتهم لمواجهة ما يرون أنه تعدي علي حقوقهم وأملاكهم, مما أسفر عن إشتباكات عنيفة بين قوات الجيش والشرطة والأهالي نتج عنه مقتل شخص وإصابة العشرات من الجانبين.
ولأن القوة تسبق التفكير, والعضلات تسبق العقل, فقد تحول الأمر إلي أزمة كبيرة تُضاف إلي كثير من الأزمات المماثلة والمُختلقة بفعل فاعل بما يؤدي إلي زيادة الإحتقان والتوتر في البلاد, التي لا ينقصها إلا شرارة الاشتعال من كثرة الضغوط التي يحيا فيها الناس, متمثلة في ارتفاع الأسعار بصورة جنونية, وزيادة البطالة بين الشباب وتوقف الكثير من المشروعات الإنتاجية, ناهيك عن ضياع حلم السفر لكثير من الشباب بسبب تردي أوضاع الدول المحيطة والتي كانت منفذا للمصريين لاكتساب الرزق وتحسين أحوالهم.
والقضية كانت يمكن حلها بسهولة أو تقليل خسائرها بقليلٍ من الحكمة والرؤية وما يسمي الخيال السياسي دون الاعتماد علي الهراوة والقبضة الحديدية, كان هذا الحل يتمثل في الاجتماع بالناس وتوضيح الموقف القانوني لهم, والسماع لأدلتهم وأقوالهم, والنظر إلي أوضاعهم, ويتم التفاوض معهم لإخلاء الأراضي المُعتدي عليها وتسليمها للدولة, بطريقة قانونية وإفهام الناس أن خطة الدولة هي إعادة تخطيط المنطقة, وتحسين أوضاعها والقضاء علي بؤر الفساد فيها وطلب المعاونة والمساعدة منهم, لكن العقلية الأمنية التي تتعامل مع المواطن علي أنه مُتهم حتى يثبت العكس, وأنه ضعيف ومُهان فلا يمكن أن يتحدى الدولة حتى ولو كانت مخطئة, وأنه عليه بالاستجابة لما تطلبه الدولة حتى لو جلدت ظهره , وهدمت بيته وهجرته منه , دون نظر لخطورة الأمر, وأن من يكون ظهره للحائط فلن يبقي علي شيء حتى لو دفع حياته ثمناً لذلك.
وبمقاومة الأهالي ورفضهم الخروج يتعقد الأمر بصورة أكبر فالعقلية الأمنية تري في هذا كسراً لهيبة الدولة, وتجرأً علي التمرد ومخالفة القوانين وهو ما تحاول الدولة كسره في المواطن بتكميم الأفواه وغلق المواقع واعتقال المعارضين, فينتج عنه رد فعل أعنف وحشد أكبر للقوات, والالتفاف علي الواقع ومحاولة فرض الرأي علي الناس بالقوة مهما كلفهم ذلك حتى لا يتعود ويتجرأ الناس علي السلطات فتكون ذريعة لما لا تحمد عقباه ويتحرر الناس من الخوف والرعب الذي يريدون بثه في قلوب الناس, ولا يعلمون أنهم يكسرون هيبتهم بأيديهم فالجائع والمعدم ليس عنده ما يخسره بعد أن صارت حياته بؤسا فالسجن عنده مأوي وملجأ وعيشه مجانية, والموت عنده أرحم من هذه الحياة البائسة التي يكتوي بنارها ومسؤولياتها التي تقصم ظهره, ثم إنه قد يكون شهيداً وأيقونة تتكلم عنه مواقع التواصل والفضائيات, وهو ما نحذر منه ليل نهار.
لا تدفعوا الناس دفعاً نحو الانفجار, الناس تعاني ولا تتحمل مزيداً من الضغط , استعينوا بالسياسيين وأهل الخبرة في الإدارة والتعامل مع الأزمات لحل مشاكلكم, لا تحملوا الهراوة طوال الوقت, أنزلوها ولو قليلاً ودعوا العقل والفكر يتكلم , أرفقوا بالناس وطبقوا القانون برفق وعدل فالناس تراكم تكيلون بمكيالين تتصالحون مع ناهبي ثروات الوطن, وتشدون الوثاق علي الضعفاء, فيصابون أكثر بالمرارة , ويخشون علي ديارهم وأرضهم أن يتم بيعها لغيرهم.
مرة أخري جنّبوا الحلول الأمنية فقط فليس بالهراوة وحدها تحيا ألأوطان.


س* كاتب مصري


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • عصر

    02:40 م
  • فجر

    05:03

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى