• السبت 18 نوفمبر 2017
  • بتوقيت مصر09:39 م
بحث متقدم

الدولة القوية والدولة القاسية ودولة الناس

مقالات

أخبار متعلقة

لا أذكر أنني ركزت تركيزا خاصا تجاه مصطلح (الدولة) إلا حين قرأت في مذكرات د/ عبد الوهاب المسيرى رحمه الله عن ذاك الحوار الذى دار بينه وبين د/ أسامة الباز_ صديقه الذي كان_  وهما يتناقشان حول السلطة والسياسة إذ قال له د/أسامة يجب أن (نحمى الدولة ونحافظ عليها من هذه الأصناف وان نمنع سيطرتهم عليها )كان هذا الحديث فى نهاية الستينيات والأصناف المقصودة فى الحديث أعرَف من أن تُعرِف وليسوا موضوعنا, الحاصل أنني فهمت أن الدولة شيء خطير وحصن عتيد يدخله الداخلون بألف حساب ويغادره المغادرون بلا أي حساب  د/أسامة نفسه دخل حصن الدولة بحسابات معقده وغادرها بلا أي حسابات في ظروف ترسيم جمال مبارك وأحمد عز على (السٌدة الخفيًة) وجمال مبارك نفسه كان له تصريح لافت لمصطفى بكرى في جريدة الأسبوع حين علق على الاعتقالات التي أعقبت نشر صورة لطلبة جامعة الأزهر فى شكل ميليشيات بجريدة المصري اليوم عام 2006 حين قال أن ذلك كان لابد منه ليتأكدوا من قوة الدولة.
لكن أروع تعبير قرأته عن الدولة كان في ورقة (الخطاب الإسلامي الجديد) للعلامة د/ المسيرى حين  نصح إسلاميي السبعينيات في العقود الثلاثة الأخيرة بمحاصرة الدولة لا الاستيلاء عليها فيما يشير إلى الحضور القوى في اختياراتها وقراراتها من خلال التربية والدعوة والانطلاق في مجال صياغة الإنسان والمجتمع لا الحضور القوى في قصورها ودواوينها ومؤسساتها وكأن الرجل رحمه الله  كان يرى ما في خباياهم فما أن نُصب الفخ الفخيخ  بعد يناير 2011 حتى هرعوا هرعا وركضوا ركضا إلى تلك الدوافع الخفية في اشتهاء الشهوات وإنزاء النزوات !!..هم لم يقرؤوا (ورقة الخطاب الإسلامي الجديد) من الأساس فضلا عن أنهم كانوا يقرأون شيئا أصلا بل كانوا يتعمدوا إشاعة جو من السخرية حول موضوع القراءة والثقافة وقد كان هدفهم الأثير والمبتغى النهائي هو (السياسة/السلطة) ليس حتى من باب الفكر والوعى امتدادا لخط الاصلاحيون الكبار من القرن الثامن عشر بل كانت (السياسة/السلطة) من باب الدنيا والوجاهة والهيمنة وستحكى كتب التاريخ عن هذه الفترة ما لا يحصى من كم المخجلات الكاذبات  ما يمحو أسماؤهم محوا من كتاب(الإصلاح)إلا من باب الإعتبار بالنقائص وليعاذ بالله ..وقتها سيكفيهم هذا المحو شرفا وإنصافا
أيا ما كانت الحكايات عن الدولة حيث يحكيها من يحكي من ذخائر حكاياته ويرويها من يروى من مخازن رواياته إلا أن موضوع الدولة هو بالأساس موضوع بالغ الأهمية  فى الفكر والتاريخ والحياة والناس وسيلفت نظرك تعدد التوصيفات لهذا المصطلح فهى الدولة الوحش والدولة المتسلطة والدولة الحامية والدولة القومية والدولة الحديثة والدولة العميقة والدولة المركزية والدولة الفاشلة  سيقول لنا دارسوا علم التفسير ان تعبير دولة لم يذكر فى القران إلا مرة واحده فى معرض الحديث عن فكرة العدل الاجتماعي فى توزيع الثروة وعدم تركزها فى أيادى قليلة وعلى الجانب الأخر ذُكر المعادل الموضوعى  لمصطلح  الدولة 64 مرة..أقصد بالطبع مصطلح (الأمة)وبالمناسبة هناك نشيد أهدية الى التيار السياسي الإسلامي الذى دشن ألاف الدراسات حول فكرة الأمة وكتب ألاف الكتابات حول مصطلح الخلافة (الوجه التاريخي لمصطلح الأمة) ولم يهتم أية اهتمام بهذا النشيد الذى أنشده الشيخ سيد النقشبندى وألفه الشاعر الصالح الصوفى عبد الفتاح مصطفى ولحنه بكل الاحساس الصادق بليغ حمدى رحمهم الله جميعا وغفر لهم ونذكر هنا الآية الكريمة فى سورة الزمر (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).. كلمات النشيد  فيها فكرا جامعا مانعا بسيطا سهلا نهلا لهذا المفهوم(الأمة) بتكرار وتعدد أوصافة ما يجعلة كأنه فى بداهة الشمس والقمر والليل والنهار
أقول أمتي يا رب أمتي/أنا بها و فيها كساق السنديان كالطود كالبنيان/أضرب في الأزمان أرقى بلا حدود وأملأ الوجود وأحضن الأكوان/جوهرة التوحيد وحكمتي القديمة عالمي الجديد أنا بها و فيها/أقول أمتي يا رب أمتي/حاضرها العتيد وظلها المديد /لكن بغيرها /بغير أمتي /كطائر شريد و ضائع وحيد/وعاجز و هش أوهى من عود قش/لكن بأمتي/أولد من جديد أبصروجه العيد/ لأن أمتي/بعينها أرى في عينها أُرى/لأن أمتي/وثيقة العرى رفيعة الذرى/لأن أمتي/عريقة الأصول من نبضة الرسول من قبضة الرسول
الحاصل هو إنني قرأت ما كتب طوال الفترة الماضية عن موضوع(الدولة) وتثبيتها وحمايتها وتخويف الناس من سقوطها (التاريخ لم يكتب عن مرة واحدة أو نصف مرة عن سقوط الدولة المركزية في مصر) ولفت نظري قدر التجاهل الذي تم التعامل به مع كتابات المفكر المصري القبطي (د/نزيه نصيف الأيوبي) الذي عاش في الدنيا 51 عاما ولا يكاد يعرفه أحد ولا يكاد يذكره أحد ويعد كتابة (تضخيم الدولة العربية) أشهر منه وهذه مفارقة حدثت كثيرا في التاريخ والأدب في فكلنا نعرف (قرية ظالمة) ولا نعرف من كتبها نعرف (دون كيشوت) ولا نعرف من كتبها وأنا شخصيا أميل كثيرا لذلك فقيمة الإنسان الفاني الغائب في غياهب النسيان فيما يتركه من اثر يفيد البشر عبر الأزمان والسنين لا في تخليد اسمه واسم والده ووالدته إذ لا خلود فى الدنيا لبشر(َأفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ?لْخَ?لِدُونَ) إذ ما قيمة شعورك بالخلود في الدنيا وأنت معدوم الشعور بما في الدنيا و أنت ميت.
وبما إني لدى ميول إسلامية فطرية ومعرفية فسأذكر لكم أولا ما قاله د/نزيه عن الحركات الإسلامية (كباحث كبير في الاجتماع الإنساني) وهو رأى فيه عمق وعلم لا تخاريف مصطبية مثل كتاب المسلسلات (الجماعة نموذجا!) يقول :الحركـة الإسـلامية المعاصرة هي رد فعل طبيعي وثقافي على الأيديولوجيات المنقولة من الغـرب كالماركـسية والاشتراكية وغيرها لأن الإسلام ظل محدداً أساسياً في ثقافة الشعب .. ويربط بين ازدياد عنف الرد الإسلامي على التحديات الغربية وبين الأثر النفسي الذي تولد عن هزيمة كل يوم 5يوينو وهو الأثر الذي لم تستطع حتى حرب 1973 على الرغم مما حققته مـن محـوه .. إن أية دراسة موضوعية لحركات الإحياء الإسلامي ستبقى ناقصة ما لم يتم دراسة موضوعية لحركات الإحياء الإسلامي . فى جانبها السياسي والاقتصادي والفكري للخروج بنتيجة أقرب ما تكون إلى الواقع.
كتاب د/ نزيه الايوبى الأكثر شهرة هو تضخيم الدولة العربية كما ذكرنا والثانى هو (الدولة المركزية فى مصر)ان شاء الله سنكتب عنه لاحقا.. التضخيم كما يشرحه د/ نزيه الأيوبي ينطوي على فرضيتين الأولى أن الدولة العربية شهدت توسعا ملحوظا من خلال التوسع ليس فى مستوى الحياة الاجتماعية والرفاه والتصنيع الحكوميين بل في مجال العاملين في القطاع العام والمؤسسة العامة والإنفاق الحكومي (الموظفون التابعون)وهو ما يستنزف جزءا كبير من الدخل القومي للبلاد فتم (تضخيم الدولة) بشكل مفرط في المجال الاقتصادي الذى تعثر وحتى في دورها الاجتماعي الذى فشل وهذا المصطلح (تضخيم ) سلبى وسىء فهذه الدولة أكبر مما ينبغي أن تكون عليه(طبعا السبب معروف من زمن البكباشى فى الخمسينيات والسيتينيات) الفرضية الثانية التي يحمل بذورها هذا المصطلح هي نظرية أن الدول العربية مفرطة في الانتشار والتمدد و مع ذلك فهناك مغالاة فى تقدير(قوة)هذه الدولة ومدى فعاليتها وأهميتها الحقيقية !! الدول العربية ليست نموا طبيعيا من رحم تاريخها الاجتماعي والاقتصادي أو تقاليدها الثقافية والفكرية الخاصة بها إنها دولة (قاسية) وليست(قوية) وكثيرا ما كانت هذه الدولة تلجأ إلى الإكراه في سبيل المحافظة على سلطتها سواء بالهراوة أو بالاستعانة بالحسابات في البنك !!؟؟ وهي ليست دولة قوية لأنها تفتقر وبشكل متفاوت إلى (قوة البنية التحتية) التي تمكنها من النفاذ في المجتمع بشكل فعال من خلال آليات معتبره (إذ لايوجد مجتمع مؤسسى فقط يٌوجد أفراد مبعثرون)و الأسوأ أنها تفتقر إلى الإطار الفكرى الجامع الذى من شأنه أن يجعلها قادرة على تشكيل كتلة اجتماعية تاريخية تتقبل الشرعية الحاكمة .
وبسبب هذه الطبيعة المفككة للتشكيلات الاجتماعية فإن سياستها هي الأخرى تميل إلى اتخاذ شكل مفكك  يتمثل في شتى درجات المشاركة وتجلياتها وينشأ هذا من حقيقة أن هذه المجتمعات لم تتطور فيها الحرية الفردية ولا الطبقات الاجتماعية جيدا إلى درجة سماحها بظهور (سيـــــــــــــاســــــــــة) كالتي نراها في المجتمعات الغربية 
سيكون علينا فى النهاية أن نتذكر أكبر أكذوبة فى التاريخ السياسى للدولة وهى الأكذوبة التى جاءت في البيان الشيوعي الشهير أنها عبارة عن( لجنة تنفيذية لإدارة الشؤون الجمعية للشعب وهي بهذه الصفة انعكاس مباشر لمصالح هذا الشعب) طبعا الاتحاد السوفيتى وأوروبا الشرقيه أوضح نماذج نموذجية لإدارة الشئون الجمعية!
للأسفات الأسيفة أن التاريخ الإنسانى الطوييييييييييييييل لقصة السلطة والدولة يقول أن (السيطرة)هي المفهوم الأرسخ و الأكثر انتشارا لفكرة الدولة.نعم ..وجود قوة لبسط السيطرة تدعى (الدولة)هي فكرة راسخة رسوخا عميقا في أساليب تفكيرنا.  
 طالما لا نعرف قيمة المجتمع ومؤسساته وهيئاته ونملؤها قوة وحضورا لنحاصر هذه الدولة التى ترسخت بمفهوم السيطرة الراسخة موصلة الناس الى إحباطهم ويأسهم وائدة لديهم كل إحساس بالتجديد وكل نزعة أخلاقية ومثالية .  
إنها دولة الناس أيها الناس.. لا الدولة القوية ولا الدولة القاسية الضارية

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

بعد فشل مفاوضات سد النهضة.. ما هى الخطوة التالية لمصر في رأيك؟

  • فجر

    05:04 ص
  • فجر

    05:03

  • شروق

    06:30

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى