• الثلاثاء 23 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر02:43 م
بحث متقدم

جعير الأذان!

مقالات

تصر الحركة الفنية فى مصر - ومنذ عقود طويلة - على أن تحشر نفسها فى خانة وحيدة، لا تتخلى عنها يومًا ولا تبارحها سنتيمترًا واحدًا، أعنى خانة (المحلل) الجاهز، لرغبات السلطة أو حتى نزواتها، وإن خرجت هذه النزوات عن أى منطق فى كثير من الأحيان، فإذا أحست هذه الحركة الفنية ببعض الحرية، أو بهامش ضيق منها، استدارت لتغتال رموز الإسلام معنويًا، وتشهر بمنظومته الثقافية وشعائره وتاريخه، يصدق هذا على الحركة الفنية عموماً فى سنواتها الماضية، وخصوصًا السنوات الثلاث الأخيرة، التى انفتح فيها باب الاغتيال المعنوى بفجور، وتكرّس كرنفال الاستباحة ضد الإسلام، ثقافة وتاريخًا ورموزًا، بما يشبه الاستئصال العلنى الأعمى فى غير تمييز، أو تفرقة بين غلاة ومعتدلين! 
وبوضوح لم تعرف الحركة الفنية فى الفترة الأخيرة مطلقًا معنى المبادرة الابتكارية الحرة المستقلة، بعيدًا عن السلطة أو التنظيمات أو الجماعات، ولكنها كانت دومًا ظهيرًا للسلطة، تنقاد لرغباتها بإشارة الإصبع، وتقوم بمهمة تكسير خصومها السياسيين، وتنفخ فى بوق التمجيد لمنجزات السلطة وحدها وإن كانت وهمية، وقد تدير ماكينة التأليه الضخمة للقيادات والحكام بهمة نشطة كما فعلت كثيرًا!
 كانت أصابع الحركة الفنية دومًا تعزف على المزمار للسلطة، اللحن الذى يراد لها وهو لحن مدفوع الأجر دون شك لا صلة له بأية خيارات وطنية مستقلة، ولم تفكر حركة الفن المصري، إلا فيما ندر، أن تعزف لمصر والمصريين، فهم فى ضمائر هذه الحركة - إن صح أن ضمائرهم مازالت مفعمة بأنفاس الحياة - مجرد جواد خاسر لا يستحق المخاطرة، ومن ثم يتعين أن تظل مخاطرتهم، ملازمة لقصور الحكام، أو بلاط رأس المال السياسى (الحاكم الفعلى لمصر منذ السبعينيات!).
قد تخرج الحركة الفنية، فى انتفاضات محدودة، عن هذا الخط المرسوم لها بطوق حديدى محكم، كما صنع المخرج الكبير الراحل "عاطف الطيب" (1947 _ 1995) فى رائعته: "البريء"، ولكن جوقة الاغتيال المعنوى _ الجاهزة بخدماتها دائمًا ! _ كانت تسارع بإهالة التراب على هذه الانتفاضات الفنية المحدودة للحريات أو العدالة الاجتماعية. 
ونفخت ثورة 25 يناير أنفاس الحياة فى فضاء الحريات المدنية، للمرة الأولى فى تاريخ مصر، وحاولت الحركة السينمائية والدراما التليفزيونية بالخصوص أن تستثمر أجواء الحريات الجديدة، وتتنسم أنفاس الحياة مجددًا، وتخرج عن هذا الفطام الأسود، فظهر مثلًا فيلم "فرش وغطا" مجسدًا للتجربة الثورية الجديدة (من إخراج أحمد عبد الله)، وقد لعب فيه الفنان الشاب "آسر ياسين" دور عمره، وبدا أداء السينما المصرية مبهرًا فى كل شيء بعد أن تنسمت أجواء الحريات الجديدة، وحصل الفيلم الرائع على جائزة "الأنتيجون الذهبي" فى مهرجان مونبلييه السينمائي، بعد أن غابت السينما المصرية عن منصة التتويج العالمى لما يزيد عن خمسة عشر عامًا ! ولكن من أسف عادت "ريما" لـ "عادتها القديمة" فى خنق الفضاء العام، وهرس الحريات الوليدة، فعادت السينما المصرية - الفن المصرى عمومًا - إلى الحضانة المتسخة القديمة، تعزف لحن النفاق، وتحرق البخور بانكسار، وتغرد رغمًا عنها لرغبات السلطة المقدسة التى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وأصبح الفيلم المصرى الراقى "فرش وغطا" عملًا محظورًا!
وفنانو هذه الأيام _ كما يبدو بوضوح _ أصنام ممسوخة بلا مواقف أو رؤى أو ثقافة، لا يعرفون معنى الولاء لمعتنق أو فكرة اللهم إلا الورقات الخضراء التى تثير شهيتهم داخل البلاتوهات، أو الفوائض النفطية الكبيرة التى تنطق الحجر، فهم لا يشبهون الآباء الأوائل للفن المصرى فى أى شيء، فيما عدا الأصباغ والمساحيق والماكياج!
 فى هذا الإطار نفهم ما قالته "شيرين رضا" متصلًا بشعيرة الأذان تحديدًا، وهو ليس موقفًا مبتورًا من سياقه العام الطبيعي، ولكنه جزء عضوى من حملة ممنهجة جارية منذ فترة لحلحلة الأرض بقوة من تحت أية مظاهر باقية للفكرة الإسلامية الوسطية _ وإن كانت معتدلة! _ ترى "شيرين رضا" فى الأذان مجرد "جعير مزعج" وتخاطب المؤذن متسائلة: ".. أنت موش سامع صوتك ؟!...".
 وهنا سؤالي: ألم يكن جعير بعض القيادات مزعجًا لأذن فنانتنا الرقيقة بلا حدود وهى ( أى القيادات ) تواصل "الشخط والنطر" فى الشعب، وتذكره بنسله الضخم وأخطائه الاستهلاكية الكارثية التى أفسدت الاقتصاد، وقصمت ظهره ؟! وألم يزعج الفنانة الرهيفة جعير السيد "عمرو أديب" لساعات داخل الأستوديو وبطبقات صوتية منفرة / مقززة وهو يحرق بخورًا للعلية والكبار؟! وألم يزعج أذنيها "دى . جي" "تسلم الأيادي" حين كان يذاع من خلال عدة أجهزة فى توقيت واحد، وبأعلى طبقة صوتية فى عز الفجر، لتصل الأصوات المتداخلة إلى الطابق السابع والعاشر، وتوقظ النائمين ليلًا ؟! (بالمناسبة لحن "تسلم الأيادي" ملطوش أو مسروق من لحن "تم البدر بدري" كما يعرف الموسيقيون جيدًا ويلتزمون طبعًا بالصمت !) وألم تزعجها الأغنيات المسفة الهابطة من داخل عربات التوكتوك، وهى ضوضاء مسموح بها لأنها تحمل معنى الخدر عن اللحظة، والغياب عن مساءلة المرحلة الراهنة؟!
وتستدير "شيرين رضا"، متجاهلة كل ملفات الإخفاق الراهنة على صعيد الحريات والحالة السياسية والعدالة الاجتماعية، لتتساءل حول كارثة الأذان (أزمتنا الوحيدة !) : "إحنا موش عاوزين سياحة؟! ..)، باعتبار (الأذان) سببًا فى هروب السائحين، لا فشل الأداء السياسى والاقتصادي، ولا الرصاص الطائش الذى أصاب السائحين المكسيكيين، أو (الإرهاب الأسود) الذى أسقط الطائرة الروسية، وهى أمور لا علاقة لميكروفون الأذان بها؟!
ألم تفكر "شيرين رضا" فى أن (جعير الحكم الشمولي) قد يكون فى تاريخ مصر أسوأ من (جعير المؤذنين)؟! أليس جعير الحكم الشمولى هو الذى تسبب فى (تأميم) فرقة والدها الفنان "محمود رضا" عام 1961، فأحرق قلب والدها على جهده الضائع الذى انتزعته منه السلطة عنوة؟! وأليس (جعير الحكم الشمولي) هو الذى أجبر والدها _ بقرار إدارى متسلط _ على أن يحال إلى المعاش قبل ميعاده المحدد بتسعة أشهر، فلزم بيته بأمر السلطان؟! أم أن الجعير هذه المرة كان مقدسًا يتعين أن تنقاد له رقاب الجميع، ويتوجب على الجموع أن تصفق بالإكراه؟!
لن أقول للفنانة المتهجمة _ دون أدنى لياقة _ على شعيرة موروثة منذ آلاف السنين، إن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد قال: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة.." (صحيح مسلم)، أو قال _ فى حديث آخر _: ".. يغفر للمؤذن مد صوته.." (النسائى بإسناد حسن جيد)، فلا أظنها ستفهم هذه اللغة أو تستسيغ إكمالها، ولن أذكرها بأن عليها أن تحترم عقائد الناس وشعائرهم وولاءاتهم، وهم يحصون بالملايين (كما صنعت والدتها اليوغوسلافية على الأقل، والدتها التى لم تسب عقائد المسلمين أو تستخف بها يومًا)، لن أذكرها بهذا كله، ولكن أذكرها بأن هنالك فنانين _ أقصد فنانين بحق لا مسوخًا _ قد احترموا عقائد بلادهم يومًا، كما صنع الراحل "صلاح أبو سيف" ( 1915 _ 1996)، حين جعل شعيرة الأذان جزءًا رمزيًا من لوحته الفنية فى رائعته: "السقا مات"، وأن المخرج الكبير الراحل "كمال سليم" ( 1913 _ 1945 ) قد استفتح رائعته: "العزيمة" بصوت الأذان كأنما يوقظ به الضمائر بصورة رمزية رفيعة، ولن أذكرها بأن "عاطف سالم" قد ختم رائعته: "جعلونى مجرمًا" (عام 1954) بصوت الأذان ليجعل لقضيته الاجتماعية المطروحة سندًا أخلاقيًا.
ولن أورد مزيدًا من الأمثلة فى تاريخ الفن السابع مصريًا، لكنه الفارق الحقيقى بين فن جاد، التحم حقًا بولاءات أمة، وفن رخيص مهزول كأصحابه، رضى لنفسه فى النهاية بدور "المحلل" لا يداخله حلم إصلاح جيل أو مساءلة قضية وطنية، وإنما يحركه حلم السباحة فوق بحر الدولارات بأى ثمن!


 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • عصر

    02:55 م
  • فجر

    04:45

  • شروق

    06:08

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:55

  • مغرب

    17:20

  • عشاء

    18:50

من الى