• الإثنين 25 يونيو 2018
  • بتوقيت مصر11:24 ص
بحث متقدم

الاستثمار الاقتصادي لجسد المرأة

مقالات

في كتابه (إيروس والحضارة) الصادر عام 1966 فسّر (ماركوزه) كيف استطاع النظام الرأسمالي توظيف الرؤية الأداتية للإنسان، بصفته شيئاً لجلب المنفعة (أو المتعة) واستغلالها، والدعاية لها، بالقدر الذي يناسب أوضاع كل مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية الغربية.
ونعود لجسد المرأة من جديد لإيضاح ذلك، لقد استخدم (ماركوزة) منهج التحليل النفسي عند (فرويد) لتفسير آلية هذا الاستغلال، وموقع جسد المرأة منه، فيشير إلى أنه إذا أردنا إشباع كل رغباتنا الجنسية وغير الجنسية كلما ظهرت لانهارت الحضارة والثقافة والمجتمع، بين عشية وضحاها، ذلك أن الحياة في هذه الحالة ستستحيل إلى فوضى يتخذ فيها بعضنا بعضاً موضوعاً لإشباع نزواتنا وحسب.
وستتحول حياتنا- في هذه الحالة – إلى تهتك متواصل ينتهي بالدمار والفناء، ولذا فإننا بحاجة إلى ضبط أنفسنا، وكبت رغباتنا وتوجيه طاقاتنا وجهة أخرى، أي: توجيهها إلى نشاطات اجتماعية مفيدة، إذا أردنا لنوع من الحياة أن يوجد، فالمراحل الأولى لتطور النظام الرأسمالي تتطلب درجة عالية من الكبت لضمان استخدام الناس معظم طاقتهم في العمل، واستثمار الربح الناتج عن العمل، وليس التمتع به وإنفاقه، وفي هذه المرحلة لا يُسمح للكثير من الرغبات بالظهور إلى مستوى الشعور، وتقتصر المناطق التي تمثل مصدراً للمتعة في الجسد على "الأعضاء التناسلية" فقط.
ومعنى ذلك أن تطور قوى الإنتاج في مراحل الرأسمالية الغربية المتقدمة، يعني أن مثل هذه الدرجة العالية من "الكبت" لم تعد ضرورية، وهذا يعني بدوره، أن فائضاً من الكبت (والحرمان) يظهر، وسيفوق الحد الضروري للحفاظ على وجود المجتمع، هذا "الفائض" بالغ الخطورة؛ لأن التوتر الذي يخلفه يمكن أن يكون سبباً مفضياً إلى التغيير الاجتماعي، وفي ظل سيادة الرؤية الأداتية للأشياء والعالم التي تزين للناس رؤية بعضهم البعض كأشياء تجلب لهم المتعة سيصبح الجسد كله مجالاً للاستمتاع.
على أن النظام الرأسمالي الاستهلاكي الغربي قادر على استغلال هذه النزعة حفاظاً على نفسه، عبر ما يسميه ماركوزة "الترغيب القمعي"، ولكي نكون أكثر إدراكاً لذلك يجدر التمييز بين (التهذيب) من جهة، و (الترغيب) من جهة أخرى، و(الترغيب القمعي) من جهة ثالثة.
إن "التهذيب" يعني: كبت الرغبات، وتوجيه طاقتها وجهة أخرى؛ فبدلاً من الانغماس في علاقات متعددة استخدمْ (تلك الطاقة) لتأليف كتاب عن (الأحزاب السياسية في مصر) مثلاً.
أما "الترغيب" فهو حالة تجعل الرغبات تصل إلى مستوى الوعي، ويكون الإنسان مدركاً لرغبته في الانغماس في علاقات متعددة ومباشرة.
أما "الترغيب القمعي" فهو حالة تعني إقناع الإنسان بإشباع رغباته الجنسية بطرق ملتوية، تفيد النظام الاستهلاكي نفسه. فالبضائع ترتبط بالجنس، والنساء العاريات يُستخدمن في تسويق كل شيء، من السيارة إلى حبر تصحيح الأخطاء الطباعية، وفي تسويق أغاني (الفيديو كليب)، وكذلك الأفلام والكتب أصبحت أكثر صراحة في الأمور الجنسية.
إن صورة "المرأة العارية" هنا تمنح لذة جنسية بديلة عن اللذة الجنسية الفعلية، وهكذا استطاع النظام الرأسمالي الاستهلاكي الغربي من تحويل تطور في الحاجات الإنسانية – فائض الكبت الجنسي عند الإنسان الغربي الحديث – يكمن فيه الخطر على شيء يفيد النظام نفسه، ويحافظ على استمراره، وذلك باستغلال جسد المرأة ودلالاته الجنسية في تفريغ وتصريف (هذا الكبت الجنسي) في عالم التجارة والسوق إجمالاً.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من سبب خروج المنتخب من كأس العالم؟

  • ظهر

    12:02 م
  • فجر

    03:15

  • شروق

    04:57

  • ظهر

    12:02

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    19:08

  • عشاء

    20:38

من الى