• الإثنين 10 ديسمبر 2018
  • بتوقيت مصر02:40 ص
بحث متقدم

جنسية للبيع .. من يشتري ؟!

مقالات

صدق مجلس النواب المصري على قانون جديد يسمح بمنح الجنسية لمن يضع وديعة مصرفية بمبلغ يعادل سبعة ملايين جنيه مصري ، أي حوالي ثلاثمائة وستون ألف دولار أمريكي تقريبا ، والقانون الجديد يمنح صاحب الوديعة إقامة دائمة في مصر لمدة خمس سنوات ، في نهايتها يحق له طلب الحصول على الجنسية ، وهو القانون الذي سبب صدمة كبيرة في أوساط مختلفة ، ربما لأنها المرة الأولى التي تعرض فيها الجنسية المصرية للبيع بتلك الطريقة ، لم يسبق أن حدث هذا الأمر من قبل ، كما أن لمصر خصوصية سكانية وعمقا حضاريا وتاريخيا تجعل لموضوع جنسية مصر خصوصية هي الأخرى شديدة الحساسية ، والاعتداد بالمصرية يرقى بين أهل مصر إلى حد التقديس ، فأنت لست في مجتمع ناشئ أو حديث العهد بالتاريخ مثل الولايات المتحدة ، ولا أنت مجتمع مختلط الأعراق مثل استراليا مثلا ولا أنت جزيرة من جزر الكاريبي .

بعيدا عن تلك الحساسيات المعنوية ، والوطنية ، فإن طريقة إصدار القانون وسرعته هي نفسها نفطة ضعفه ، ونقطة انصراف الناس عنه أيضا ، فالقانون الذي يصدر في عشر دقائق يمكن محوه في عشر دقائق أخرى ، بدون أي مقدمات ، والشخص الذي يأتي إلى مصر ليجمد فيها وديعة بمبلغ سبعة ملايين جنيه ، لا يمكنه استعمالها أو الإفادة منها لمدة خمس سنوات ، على أمل أنه في نهاية تلك المدة يمكنه الحصول على جنسيتها ، يمكن أن يأتي بعد خمس سنوات ليفاجأ بأن البرلمان نفسه انعقد في عشر دقائق ، وقرر إلغاء القانون السابق ، وعوضك على الله في تجميد أموالك خمس سنوات مضت ، كما أن النظام الإداري والقانوني العقيم الذي يحكم حركة المال الآن يمكن أن يجعل عملية استرداد هذه الوديعة في نهاية المدة من شخص أجنبي مأساة أخرى ، ويمكن أن يقضي خمس سنوات أخرى في إجراءات إدارية وربما قضائية من أجل استرداد ماله المجمد .

هناك مشكلة واضحة في وعي القائمين على صناعة القوانين في مصر الآن ، إنهم يتصورون أنها قوة للدولة أنهم بضغطة زر يستطيعون أن يجمعوا البرلمان وبضغطة زر أخرى يستطيعون أن يخرجوا منه بتشريع جديد ، تتوقف عليه حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم ومصائرهم ، وذلك لأن العقل السياسي هنا غائب ، لأن أول شروط قدوم رؤوس الأموال إلى بلد من البلدان هو وجود ثلاثة أنواع من الاستقرار ، الاستقرار السياسي والاستقرار الأمني والاستقرار التشريعي ، لا يمكن أن يضع أجنبي أمواله في بلد يمسي فيها بقانون ويصبح بقانون غيره ، رأس المال ليس مجنونا حتى يخاطر بملايينه بتلك السهولة ، لذلك لا بد أن يكون هناك "عقل سياسي" يراجع هذا "الإسهال" التشريعي الذي يرتكبه البرلمان الحالي ، لأنه خطير جدا على مصلحة البلاد وعلى ثقة المجتمع الدولي فيها وحتى على قدرتها على جلب المستثمرين وتحريك أي خطط تنمية في الدولة ، ما يفعله البرلمان الحالي أسوأ مما يفعله الإرهاب في مصر .

الملاحظة الأخرى ، وهي المتعلقة بطبيعة المبالغ التي تدفع مقابل الحصول على الجنسية ، ولا أفهم لماذا يكون الأمر "تجميدا" للملايين السبعة ، هل هو لتدفئة خزائن البنك المركزي مثلا ، أو لبث أجواء من البهجة لدى صناع القرار في البلد ، ما قيمة تجميد أموال طيلة خمس سنوات أو أكثر ، أنا أفهم أن من يقدم للبلد خدمات مهمة كمشروعات استثمارية ضخمة أو حتى شراء عقارات تعظم من قيمة استثمار الدولة في هذا القطاع ، أو أي شيء من هذا القبيل ، يمكن فهمه في سياقه ، ولكن الذي لا يمكن إساغته أبدا هو أن يكون المطلوب هو "تجميد" وديعة بنكية ، فما هو الهدف من هذا "التجميد" ، وما هي الفائدة التي تعود على المواطن أو الوطن أو المجتمع أو الاستثمار أو الشعب المصري ، الفائدة هنا ربما تعود على الحكومة الفاشلة التي ستغطي فشلها بتغطية أموال "مجمدة" والمؤكد أنها ستمد يدها إليها بالاقتراض ، وهي التي لم تتورع عن أموال أصحاب المعاشات ، ولكن ما الذي يستفيده الشعب المصري نفسه من تلك الودائع ؟ .

تشعر كأن هناك في هذا البلد من يمسك بيده ورقة وقلما ، ويقرر أثناء تناوله عشاءه في المساء ما يتصوره من أفكار ، وفي الصباح يرسل الورقة فيتحول ما يريده إلى قانون وتشريع وقرار ، في غيبة الشعب والمؤسسات وبيوت الخبرة والمراكز القومية المتخصصة ، في غيبة الدولة نفسها ، وهذا هو ما يجعلنا نقلق من المقبل من الأيام والسياسات ، ونتوقع أنه لن يأتي بخير .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد دعوات "تجديد الخطاب الدينى"؟

  • فجر

    05:19 ص
  • فجر

    05:19

  • شروق

    06:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:58

  • عشاء

    18:28

من الى