• الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر11:48 م
بحث متقدم

الكنيسة والوطن..ما يحدث وما يجب ان يحدث

مقالات

بالفعل يبدو أن هناك ما يدعو للقلق..وأتصور أن الحادث الأخير(قتل نيافة الأنبا ابيفانيوس)ما كان إلا قمة جبل الجليد الغاطس عميقا عميقا..سنقترب من الموضوع من أضيق زاوية إذا تم تصوير الأمرعلى أنه انعكاس لحالة خلاف فكرى بين تيار وتيار رغم أن ذلك حقيقة. لكنه ليس كل الحقيقة. وأيضا سيكون الأمر مراوغة غير أمينة لو دفع به فى اتجاه الخطأ الفردى المصاحب للبشر وحياة البشر مدللين بذلك على قصة يهوذا الذى كان والذى خان..سيكون ذلك كله وضع الحدث فى مكان اللاحدث..كنا نتمنى أن يكون ذلك. لكن ذلك ليس كذلك.        فأى متابع للشأن القبطى كان يتوقع أن اليوم التالى لغياب البابا شنودة الثالث سيكون اليوم الذى ستدخل فيه كنيستنا الوطنية زمن الأزمة الأكبر..لأنه وككل الزعامات الكبيرة كانت الكنيسة القبطية هى البابا شنودة..والبابا شنودة هو الكنيسة القبطية..ولاتسأل عن السبب الذى وراءه ألف سبب وسبب..
قد تكون حالة البكباشى الذى تفرد وتسيد وتمدد واحدا وحيدا أوحدا قد تركت أثرها عند البعض وأغرتهم بسؤال. ولما لا أكون أيضا؟طالما أملك القدرة والوسيلة لماذا أترك رأس أحدهم تطاول رأسي..؟ وهكذا رأينا المتسيد المتفرد فى الغناء.. والموسيقى.. والصحافة وغيرها من مجالات الحياة. وهكذا أيضا رأينا بعدها سيدا واحدا فى الكنيسة. اجتمعت له كل أسباب التسيد والتوحد...بداية من التيارات الدينية الإسلامية التى بالغت فيما عرف بالهدى الظاهر(أو ان شئت قل التظاهر بالهدى)والذى كان من نتائجه شعور المسيحيين بالخوف الطبيعي رغم ان هذه التيارات الدينية لم تقترب فى تأثيرها وحضورها من التيار الدينى فى الثلاثينيات والأربعينيات ولا بعشر معشار تأثيره وقوته..ولم تكن لهم فلسفة الهدى الظاهر إياها..كانوا كأنهم قطعة من المجتمع (لم يكونوا عرفوا بعد الفصام النكد والعزلة الشعورية وجاهلية القرن الـ20 وكل ما ستكون ثماره الثامرة المثمرة الثميرة مما  يعيشه المصريون الأن!!)ومع ذلك لم يشعر المسيحيون فى تلك الفترة يوما بالخوف ولا سارعوا باللجوء إلى كنائسهم وأديرتهم.
 ثم كارثة الانفتاح الاقتصادي والذى كانت أبرز ظواهره ظاهرة التوكيلات الأوروبية والأمريكية والتي كان للمسيحيين النصيب الأوفر منها. لم يتم ذلك من خلال المجال العام وإنما كان من خلال الكنيسة..التى منحت ومنعت وأخذت. ولأن القوة تغذى عبادة الذات كما يقولون. فقد رأينا ورأينا ورأينا ..وسمعنا وسمعنا وسمعنا .  ثم رأينا أيضا المجتمع الدولى..وآه من المجتمع الدولى وآه..فبعد كنيسة واحده فى نيوجيرسى من عام 1960الى 600 كنيسة و120 دير موزعة على 60 دولة..أغلبها افتتحت فى حبرية البابا شنودة الثالث وذلك لرعاية أقباط المهجر كما ذكر غبطته وقتها..كان غبطة البابا شنوده الثالث يلعب لعبة التاريخ بمهارة متأرجحا بين ما هو ذاتى وما هو موضوعى(هل يمكن ان يكون هذا صحيحا؟)..هذه الكنائس كان لها دوركبير فى منح قوة إضافية لغبطة البابا فى مواجهة الدولة من جانب وفى مواجهة خصومة الداخليين من جانب أخر ذلك أن البابا كان شخصية تنظيمية من الطراز الأول..فكانت كل الخيوط فى يديه عبر شبكة تنظيمية بالغة الإحكام والتحكم .

لقد ترك غبطة البابا شنودة الثالث ميراثا كنسيا هائلا تتداخل فيه الدنيا بالدين على نحو مرعب.. حيث الأغوار المظلمة والصراعات العنيفة..وهو ما يذكرك بباباوات أوروبا فى القرون الوسطى مما قاله البابا(نقولا الأول 858 م): أن أساقفة روما ورثوا بطرس في تسلسل مستمر متصل..(لذلك)فإن البابا ممثل الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع (المسيحيين) حكاما كانوا أو محكومين)..كل ذلك كان فى الماضى الذى مضى وانقضى ..الإرث الباباوى فى أوروبا كان ثقيلا وكانت خلخلته وزحزحته عن مكانه أمرا بالغ الصعوبة والتكلفة والعنف.

 الاثنا عشر قرارا التى أصدرها غبطة البابا تاوضروس  الخميس قبل الماضى لتنظيم شئون الرهبنة والأديرة كانت خطوة أولى فى طريق طويل سيحتاج تضامنا من الوطن كله..دولة ومجتمع . لأن اصبع الاتهام تشير إلى هذه الممالك البعيدة  ذات الأسوار الشاهقة والأبواب العتيدة.

تقول الحكاية أن الإمبراطور الرومانى دقلديانوس(245-305م) فزعه إنتشار المسيحية فى مصر انتشارا كبيراً مما دفعه فى أواخرأيامه إلى اضطهاد المسيحية  اضطهادا عنيفا(الاضطهاد العظيم) فأصدر منشورا أمر فيه جنوده بإبادة الكنائس وحرق الكتب المسيحية وحرمان المسيحيين من حقوقهم المدنية واستباحة دمائهم (من كثرة إيذائه واضطهاده للأقباط اتخذوا من سنة تولية الحكم 284م بداية التقويم القبطى)اجتهد المسيحيون الذين إختاروا البقاء على دينهم أن يختفوا بعيداً عن عنف القوانين الرومانية وشراستها وكانت صحراء مصر الفسيحة خير مكان لاختفائهم ففروا إليها وبنوا فيها أديرتهم ثم انتهت محنة الاضطهاد الرومانى عندما أصدر الإمبراطور قسطنطين الكبير(272-337م) مرسوم التسامح الدينى (مرسوم ميلانو) عام 313م..الامبراطور قسطنطين هو الذى بنى كنيسة القيامة بالقدس عام 325م .. بعد ذلك لم يعد المسيحيون بحاجة إلى الابتعاد والعزلة فى الصحراء..ماذا حدث وجعل الأمر يستمر طوال تلك القرون؟..يقولون ان عوامل أخرى دفعت بكثير من الهاربين بدينهم فى الصحراء إلى البقاء فى رهبنتهم بعض هذه العوامل دينى وبعضها إقتصادى. اذ كانت حياة الرهبنة توفر الأمن والعيش  وإن كان عيش الكفاف..الإمبراطور قسطنطين أعفى الرهبان من الخدمة العسكرية فأغرى الكثيرين بالذهاب إلى الأديرة حيث الحياة السالمة الهادئة البعيدة عن الأزمات لكن هيهات فقد تعرضت الأديرة والرهبان إلى غزوات قبائل البربر الذين لم يكتفوا بذبح الرهبان بل أنهم هدموا قلاليهم..وهو ما جعل  الرهبان يفكروا فى بناء الأديرة على الشكل الذى نراه الأن..حصون حصينة محصنة منيعة ممنعة غامضة مغلقة..لم يعد هناك بربر يقومون بالهجوم على الأديرة ويقتلون الرهبان بل رأينا اعتداءات وانتحارات واغتيالات من ساكنى تلك الحصون . وهو ما يجعل استمرار تلك الحالة التحصينية المغلقة القائمة بذاتها في ذاتها لذاتها بعيدا عن عيون المصريين غيرمطلوب وغيرمفيد بل قد يكون ضارا بالكنيسة والوطن ولعنا نذكر ان القصة كلها في الأصل بدأت بما عرف بــ(نظام العزلة)لكن جرى عليها ما يجرى على كل  الأنظمة والحالات من الابتعادات والتحولات التى لا ترعى الأصول الأولى حق رعايتها ..                                         أتصورأن ذلك كله سيكون محل مراجعة قوية من غبطة الأنبا تاوضروس الثانى ومن معه من رجال الاكليروس الذى يفهمون حركة الأفكاروأجيال الأفكار فى رحاب التاريخ الذى يسير بنا وبغيرنا ..

زمن الكنيسة الحديث يطل على بداياته..فأن يصدرإثنا عشر قرارا فى خلال أيام أربعة تتعلق بأهم مكونات الحياة القبطية(الرهبنة والأديرة والكهنوت)وبهذه القوة النافذة..يكون الاكليروس وبطريركه الكبير قد وضعوا رؤية كبيرة  لموطن الخلل..للحفاظ على الكنيسة المصرية للوطن ومستقبل هذا الوطن .وهو ما نكاد نراه يتشكل أمام أعيننا وأعين الدولة .

وفى هذا انتقالا كبيرا نحو ما يجب ان يكون من زمن طويل ..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:27 ص
  • فجر

    04:27

  • شروق

    05:50

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:18

  • مغرب

    17:53

  • عشاء

    19:23

من الى