• الأحد 20 يناير 2019
  • بتوقيت مصر05:55 م
بحث متقدم

الحداثة العربية.. حين تعنى التعرى!

مقالات

تابع الناس فى العالم العربى، مشهدًا عجيبًا فى أيام "قرطاج" المسرحية الدائرة فى تونس هذه الأيام _ وهى الدورة العشرون من المهرجان المسرحى الأشهر عربيًا _ ففى العرض المسرحى السورى المسمى: " يا كبير"، وهو عرض سورى / ألمانى مشترك، فاجأ الممثل المسرحى السورى "حسين مرعى" جمهور الحاضرين فى العرض المسرحى، بأن بدأ يتجرد من ملابسه _ قطعة قطعة _ حتى تعرى عن ملابسه تمامًا، نعم تعرى تمامًا حتى عن الملابس الداخلية، أو ورقة التوت، وجعل يدور ليعرض مؤخرته على الجمهور المسرحى بوضوح، كما ظهر بعضوه الذكرى على الحاضرين بما يتجاوز الوضوح! وأسقط فى يد الجمهور المسرحى التونسى، وهناك من شعر بالقرف والاشمئزاز، فانصرف من  قاعة العرض، وهناك من شعر بالخجل فأدار وجهه بعيدًا أو وضع يده أمام عينى زوجته وأولاده لستر الكارثة المباغتة  دون جدوى ، أو أخذ وجهته نحو باب الانصراف و غادر العرض المسرحى غاضبًا!. 
 فجر الممثل السورى القنبلة، بشكل مباغت، لأن مشهد التعرى لم يكن مدرجًا فى السيناريو المكتوب، بل فاجأ "مرعى" به الجميع دون أدنى إشارة أو تمهيد! كما أن العروض السابقة لنفس النص المسرحى، خارج تونس لم تتضمن أبدًا، مشهد التعرى وعرض اللحم مجردًا من أية ملابس! وانفجرت مساجلات الرأى العام التونسى ونقاشاته المحتقنة الناقمة بعد العرض، فمنهم من تعاطف مع "حسين مرعى " ورأى أن من حق الفنان أن يجرب بلا سقوف ولا حدود حتى وإن تخلص من ملابسه بالكامل! وهناك من رأى أن التجريب الفنى لا يعنى بالضرورة أن نخلو من اللياقة، فيعرض أحدنا مؤخرته وعضوه على الناس، غير مبالٍ بعفتهم أو معتقداتهم أو تقاليدهم المرعية! وبطبيعة الحال أسقط فى يد مسئولى المهرجان التونسى، فتبارى الجميع للتملص مما جرى، حيث أعرب "حاتم دربال " مدير المهرجان عن شعور الصدمة مما حدث، مؤكدًا أن التعرى التام من الملابس أمر فاجأ الجميع، حتى إدارة المهرجان! وهو ما فتح بابًا للأسئلة الخبيثة، فإذا كان مشهد التعرى من الملابس مفاجئًا _ كما يدعى "دربال" _ فلماذا كتب على أفيش العرض المسرحى فى الشوارع: "للبالغين فقط فوق سن 18 "؟!  وهو ما يؤكد أن إدارة المهرجان كانت على علم بمشهد اللحم العارى !!. 
 يعرف الممثل السورى، المتعرى من ملابسه، أن القنبلة لن تنفجر فى وجهه، لأنه يعيش لاجئًا فى "ألمانيا"، فلن يمسه شيء وإنما ستنفجر الشظايا بين التيارات الليبرالية والإسلامية والقومية، فى الداخل التونسى والعربى، وتصدر للجميع  لغمًا كبيرًا يعمق هوة الخلاف، و يرسخ مساحة الشق الإيديولوجى، ولا يحرك الفروق الفكرية بين التيارات فى مسارها الصحيح أو المتعافى! وقد انتقل جزء من السجال الغاضب إلى مصر، ولم تصدق عينى، حين رأيت شاعرًا و إعلاميًا  مصرياً يكتب على صفحته على الفيس، هذا البوست تعليقًا على واقعة الممثل السورى  العارى: " .. مجتمع ملتاث بنصفه الأسفل.. الفن يا سادة هو ملاذنا الأخير لستر عوراتنا الروحية، التى داست عليها خيول الجهل والتطرف.. تعروا احتجاجًا على قتل وتشريد وتجويع الملايين من السوريين والعراقيين واليمنيين ! تعروا لعلكم تتطهرون من نفاقكم و جهلكم !! .." 
 ولا يبتعد هذا المشهد، الذى يختزل مسألة "الحداثة والتنوير " _ بضحالة مضحكة _  فى الزى و طول الأكمام أو مساحة الأفخاذ الظاهرة للعيون، أقول لا يختلف كثيرًا عن إرهاصلات مشهد مماثل فى مصر، يرادف _ على وجه الانطباق _ بين "الحداثة" و "دلالة التعرى"! وهو ما يفسر لنا مشهد انفجار النهود والسيقان فى مهرجان "الجونة " السينمائى  بطريقة ممنهجة / متعمدة غير مسبوقة، وصولاً إلى مشهد فستان "رانيا يوسف " ، الذى شكل مادة دسمة للأقلام وتعليقات الفيس و تغريدات النشطاء ويحصون بالملايين! ويضم إلى هذا دلالة الاحتفاء الإعلامى _الزائد عن الحد! _ لمن خلعن الحجاب  من شهيرات الفن أو الرياضة أو العمل العام، بعد ارتدائه فترة تقصر أو تطول، و كأن المنتفضات فى وجه الحجاب، هن طلائع الاستنارة و التمدين! وكأن الاستنارة والحداثة والتمدين، دلالات لا تكون إلا بطرح الملابس _ من أعلى و من أسفل _ حتى نصل إلى حداثة "جون لوك" النموذجية حين نتم مهمتنا بالتخلص من آخر قطعة ملابس لتبقى اللحوم المتجردة تمامًا معروضة للعيون والشمس!. 
 وسؤالى لبعض النخبة الكارثية التى مازالت تعيش بيننا _ ممن يتظاهرون بالسماحة والتجريب والتمدين _ وممن يصرون على "تلبيس الوطن المصرى " والأوطان العربية فى الحائط : "ما علاقة الحداثة ، وهى نمط تفكير،  بالزى والملبس ؟! وما دخل التمدين والتفوق التكنولوجى والحضارى، وهو نمط تصور ورؤية،  بطول البنطلون أو الجيبة؟! وهل إذا تعرينا جميعًا _ رجالاً و نساء! _ ونزلنا الضواحى و الساحات العامة، على طريقة مولد " سيدى العريان" بفيلم "عادل إمام" الشهير، وهو فيلم يستهدف نفس الفكرة بذات الضحالة، أقول هل سيحول هذا تخلفنا تقدمًا، وجهلنا علمًا، واستبدادنا السياسى حرية، وكوارثنا الاقتصادية رفاهية ونموًا، وعدوانيتنا الفجة سماحة وصفحًا؟! لماذا تصر هذه النخبة الكالحة، المتصدرة للمشهد، أن تجدد لنا الأدلة _ الواضحة للعيان! _ على ضحالتها وجهلها وعدم أهليتها لأية قيادة فكرية أو وطنية أو تنويرية ؟!. 
 "الحداثة" أو ما يعرف بـ MODERNISM فى المعاجم والقواميس ودوائر المعارف، مفهوم لا علاقة له بالزى، الذى يتعلق بعادات الشعوب و تقاليدها، وإنما تعرف الحداثة بكونها "طرائق طازجة جديدة من الرؤية والإطلال Fresh ways of looking ، أعنى الإطلال على موقع الإنسان ووظيفته فى الكون (راجع مفهوم "فرانك كيرمود") . و هى النقطة التى يبدأ عندها قطار التجديد، فكرًا ورؤية وسياسة و اقتصادًا، وعلاقات إنسانية شاملة قائمة على فكرة "العقد الاجتماعى"، الذى يضم الجميع، كما تصنع الأمم المتمدينة، فما دخل ذلك بالسترة والجاكت والجيبة والمعاطف والفساتين، الساخنة والباردة ؟! وهل رأى ذلك بعض الموتورين المصريين والعرب، فرصة لتصدير مزيد من رسائل المهانة والإذلال، للإسلام نفسه الذى يهيب بفكرة العفة، ويحترم منطق الحياء ؟! هل جاء المرضى من كل حدب و صوب لتفريخ الأحقاد المجنونة، ضد هوية الأمة و ميراثها الحضارى، مستثمرين سجالات الزى؟! و هل يعتقدون أن هذا الشغب الصبيانى، يمكن أن يهز الإسلام العظيم، أو يثبت صلة _ من أى نوع _ بقضية الحداثة؟!. 
 الحداثة التى يعرفها العالم  فى دساتيره ونمط حياته المستنيرة المحترمة للعقائد والتقاليد شيء، وتلك الحداثة المغشوشة، التى صدرها لنا "أدونيس " فى كتابه : "صدمة الحداثة " _ وقد سار عليها تلاميذه المصريون والعرب _ شيء آخر، فالحداثة ( الأدونيسية) المطروحة مصريًا وعربيًا، تعنى ملاحقة ظل أى مفهوم إسلامى حتى الحدود، ثم ترك العالم العربى بعد ذلك، أنقاضًا وخرائب، تخلو من الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية والمصنع المتطور والمدرسة النظيفة، والجامعة الرفيعة والمختبر الدائر بلا قيود، والمستشفى الآدمية والسكن البشرى المحتمل!. 
أنصح هؤلاء بأن يقرأوا كتاب الباحثة الكندية الراقية "كاثرين بولوك ": "نظرة الغرب إلى الحجاب" (ترجمة د. شكرى مجاهد/ مكتبة العبيكان/ ط1 2011)، حيث تطرقت لمفاهيم التحديث والعصرنة فى العالم العربى والإسلامى، ورأت أن ربط قضية التحديث بالزى، محض خديعة تصدر للرأى العام، فالتحديث يبدأ من حقوق الإنسان والحريات المرعية والرفاهية الاقتصادية، والقضاء على ظاهرة "القيادات المتألهة" التى لا تناقش فى رأى! والكتاب فى مجمله درس متكامل، لبعض رسل الحداثة الكذبة فى مصر والعالم العربى، وهو فى الأصل رسالة دكتوراة تقدمت بها الباحثة للحصول على درجة الدكتوراه فى كندا، وقد أشرف على الرسالة البروفيسور "جوزيف كارينز"، وحظيت بثناء الجميع. وبقى أن أقول إن "كاثرين بولوك" اعتنقت الإسلام بعد أربع سنوات من الدراسة، وأثار إسلامها ضجة كبيرة فى "تورنتو" . 
 إن كتاب "كاثرين" _ شأنه شأن أى مؤلف رصين محترم _ بعيد فك الارتباط بين "الحداثة" و"الزى"، وهى المتلازمة المترابطة التى صدرها لنا بعض المزورين العرب، الذين لم يقفوا ليسألوا أنفسهم: لماذا نتعرى _ دون سقف _ منذ سنوات، دون أن نتحرك سنتيمترًا واحدًا إلى الأمام فى دنيا الحريات والحداثة والنمو الاقتصادى والتطور التكنولوجى الشامل ؟! و هل حضارة المفاعلات النووية والتطور الرقمى والحاسوبى صنعها "مجرد عراة "؟!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد تخفيف العقوبات على طالبي الحضن؟

  • عشاء

    06:54 م
  • فجر

    05:31

  • شروق

    06:58

  • ظهر

    12:11

  • عصر

    15:04

  • مغرب

    17:24

  • عشاء

    18:54

من الى