• الجمعة 20 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر08:18 ص
بحث متقدم

لقائى بالموسوعى "سلمان أبو ستة"

مقالات

لا تزال فلسطين بخير لأن فيها أمثال د."سلمان أبو ستة " المؤرخ العربى الذى أحدث اختراقًا عالميًا مميزًا من خلال جسر "التاريخ ". هو حدث خطير فى حياتى، يؤرخ به للحظة فارقة من لحظات العمر، حيث التقيت بالمفكر الموسوعى الفلسطينى الكبير د. "سلمان أبو ستة" ( 1937 _ ..) الأسبوع الماضى، وسط حشد نوعى مميز من رجال الفكر والإعلام، وفتح لنا د. سلمان _ من خلال هذا اللقاء _ حقيبة الأسرار و الرؤى و الأفكار، مدينة علم عملاقة تختزن فى جوفها مئات الأزمنة والأمكنة والتواريخ والوقائع، سرد كل شاردة وواردة تتعلق بفلسطين، إنسانًا ومدنًا، منذ نكبة 1948 حتى الآن. 
 كان اللقاء دائرًا حول موسوعته الضخمة : "أطلس فلسطين" (1917 _ 1966)  ( وتقع فى نحو 428 صفحة من القطع الكبير )، و هى موسوعة مذهلة تؤرخ _ بدقة _ لكل المدن الفلسطينية، التى تحاول يد الطمس والخسة، محوها من الوجود لحساب المشروع الصهيونى، فيتم  من خلال آلة الغش الصهيونى طمس المدن الفلسطينية لتصبح "مدنًا عبرية " ، و يتم "تهويد " الشجر والحجر والماء والهواء، ومع كل طلعة شمس، تستولى الغيلان والديناصورات والحيتان الصهيونية على مئات الهكتارات من الأرض، بلا عقود ولا وثائق ولا استشارة صاحب المكان الأصلى فى أخس "سرقة معلنة " عرفها التاريخ ، بتواطؤ أمريكى / اوروبى مقزز ! هنا يظهر أمثال د سلمان، ليكونوا عصا عنيدة توضع فى ترس عجلة  السرقة و الاغتصاب، فتتوقف العجلة عن الدوران، وتعود لحقائق التاريخ هيبتها . كان د. سلمان _ خلال اللقاء _ متدفقًا كالنهر الجارى المكتسح، يتحدث من ذاكرته كأنما يقرأ من مرجع تاريخى و يقلب صفحاته أمامنا. ويورد  وقائع التاريخ الفلسطينى وأعوامه و شهوره، ويقص تواريخ المدن الفلسطينية ، بدقة مذهلة رغم سنوات العمر العجوز، وثقت أن الفلسطينيين يبدعون فى مقاومتهم الجسور ، ضد ترسانة الاحتلال الاستيطانى المسلحة حتى الأسنان، بعناد ونبل، رغم آلة التشويه العربية ضدهم فى بعض الحواضر العربية، التى تباشر خيانة التطبيع، فقد قاوموا على الأرض فى كل المدن الفلسطينية، على نحو بطولى، أجبر وزير الدفاع الصهيونى المتعجرف " لبيرمان " على الاستقالة، بسبب فشله العسكرى فى قمعهم وإسكاتهم، لكن هناك زوايا أخرى من النضال الفكرى وعناصر (القوة الناعمة) ، يمثلها د. سلمان ونظراؤه من رجال العلم و التاريخ . هو نضال العلم، والطرح الأكاديمى الرصين، والعمل التوثيقى / التاريخى المحترم، الذى يصدر إحراجًا لمعاهد الغش الصهيونى الأكاديمى، القائمة على الكذب  والتدليس المكشوف وابتلاع المدن بدم بارد . 
 نجحت آلة الغش والتدليس المكشوف، فى تخدير شريحة من الوعى العربى، لإجباره على نسيان حقائق التاريخ الواضحة، سواء بأنفسهم أم بعملاء جيشوهم تجييشًا، لمباشرة مهمة " محو الذاكرة التاريخية "، فلم نستغرب أن يظهر  فى هذا الإطار، د. يوسف زيدان ليقول لنا _ ببلادة و تناحة تاريخية لا مثيل لها : لا وجود لما تسمونه بالخطأ "مدينة القدس "، بل هى " إيلياء "  و كل شهدائكم ماتوا من أجل وهم و سراب ! و لا وجود لـ " المسجد الأقصى " داخل فلسطين، بل هو هناك فى المملكة العربية السعودية عند "الطائف" ! ولم يكن "زيدان " يهذى أو يخرف، فى لحظة تخدير "ترامادولى " نسى فيها الأمكنة والأزمنة والولاءات، لكنه كان يواصل العزف و النفخ فى مزماره بقوة ، فى إطار معزوفة تزييف كبيرة، كتب نوتتها الموسيقية الجديدة "المايسترو الصهيونى " بتخابث و لؤم  وآليات شيطانية!. 
أمثال د. سلمان هم قيادات "كتيبة النبيلاء " لاسترداد التاريخ الحقيقى، من بين أظافر كذبة ليس لكذبهم حدود، وليس لتدليسهم مدى نهايات! فقد استمر د. سلمان فى تأليف موسوعته الكبيرة، نحو عشرين عامًا، وثق فيها ما يقرب من ستين خريطة ، وأرخ بدقة لما يقرب من أربعين ألف اسم مكان، فى كل ربوع فلسطين . وتعامل مع شريحة زمنية واسعة بدأت من الانتداب البريطانى حتى الآن. و فى جملة مسحه الرادارى المذهل، رصد ما يقرب من ألف وسبعمائة منشأة فلسطينية، ما بين حكومية وزراعية وتعليمية وطرقات وسكك حديدية وآثار تاريخية متنوعة! ويحدث هذا وسط صمت مريب يباشره رؤساء أقسام التاريخ فى الجامعات و المعاهد  العربية ، وهم يواصلون "نومة أهل الكهف " المقصودة ، أو يواصلون النوم و الغطيط ( بالأمر) لتمرير الجريمتين معًا: التاريخية والاحتلالية!. 
 تأهب د. سلمان لمشروعه التاريخى التوثيقى، للمدن الفلسطينية، نحو أربعين عامًا قضاها بين مكتبات العالم، ودور المخطوطات، سواء فى أعقاب تخرجه فى جامعة القاهرة عام 1959، أم فى أعقاب حصوله على الدكتوراه من جامعة "لندن" عام 1964 ونجح من خلال بحثه الشاق، فى أن يصل إلى مخطوطات خطيرة تكرس الحقوق التاريخية الفلسطينية، ومن أخطرها مذكرات القائد التركى لمدينة " بئر سبع "، و من ثم لم نستغرب أن يقول: "لقد ظللت أجمع كل و أى مادة عن كل شبر من وطنى!". 
 قام د. سلمان بالتدريس فى الجامعات الأمريكية الكبيرة، فكان من خلال عمله الأكاديمى، سفيرًا لبلاده ، فى كل ولاية أمريكية، وفى الاحتفال الذى أقيم لموسوعته الكبيرة فى الأسبوع الماضى، قلت عنه كلمة موجزة ، تاريخًا ومسيرة ودروًا، فاستقبل كلمتى بتواضع و بشاشة و امتنان، وتصافحنا  فى أعقاب الاحتفالية، فقال لى ما مؤداه: "إننى أحملكم مسئولية إكمال المسيرة لاسترداد الوعى التاريخى، للأجيال الصغيرة التى يريدون أن يجعلوا منها" مسوخًا بلا ذاكرة و لا ضمائر"! وقد قلت فى كلمتى إننى أشتم فى تنسكه وموسوعيته، وعكوفه على رصد الحقائق بعلمية و تمكن، روح الراحل الكبير د. "جمال حمدان " ، متمنيًا  من الأعماق ألا ينتهى بمصير كمصيره!. 
 قدموا فى صدر الصفوف كل نابه مصرى وعربى، مؤهل لقيادة معركة الوعى، فلوحة التاريخ القادم لن تصنعها "شهيرة" و لا " سهير رمزى " _ بضجة حجابهما أو نزعهما للحجاب _ و لا فواصل الرقص الهستيرى بـ "السنج" وأشبال الأسود فى أغنيات من طراز "مافيا"، ولا فيالق "الصغار" الذين يصدرهم لنا الإعلام العربى، الذى دأب _ بتوجيهات _ على تلميع " الضحالة " والحشد لها بزفات كاذبة، فى مسعى الإلهاء و الإرباك واغتيال الذاكرة. هناك أمل عريض فى استرداد الوعى و ملامح الإنسان العربى النبيل، ما دام فينا أمثال د. "سلمان أبو ستة". ومجددًا أديروا ظهوركم ل " الصغار " و قدموا " النابهين " من خلال " إعلامكم البديل " على الفضاء الافتراضى الذى تملكونه، وهو الإعلام  الذى انفلت من قبضة "إعلام عربى كسيح" يهيمن عليه غير مؤهلين، صناعتهم الوحيدة "التغييب"!.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • ظهر

    11:53 ص
  • فجر

    04:23

  • شروق

    05:47

  • ظهر

    11:53

  • عصر

    15:22

  • مغرب

    18:00

  • عشاء

    19:30

من الى