• الإثنين 23 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر06:22 م
بحث متقدم

وليد مرضى.. ما تبقى لكم!

مقالات

كانت حادثة القطار المزلزلة المروعة _ غير المسبوقة _ فى محطة رمسيس، فى الساعات الماضية، واحدة من المؤشرات الكاشفة بقوة لنوع اللحظة التى تعيشها مصر، على كل المستويات والأصعدة . اتشحت مصر بالسواد، واستوطن النفوس حزن حقيقى غائر لا ادعاء فيه. وداخل الجميع خوف حقيقى على مآلات الأمور و مستقبل البلاد فى ظل حالة الاهتراء العام وتراجع المرافق والأداء حد الانهيار، وتدنى منسوب التلاحم الشعبى لأدنى مستوياته، وغلبة ثقافة الأنانية و الاستئثار، وإدارة الظهور بطريقة شديدة النذالة لأصحاب الأزمات، وقلة حيلة السلطة بدرجة مروعة فى الأزمات الضخمة، التى تفترض تحركًا نوعيًا، واختراقات وممارسات سلوكية نابهة خارج الصندوق!. 
 رأينا أجسادًا تتفحم، ونقلت وسائل التواصل الاجتماعى، الإعلام البديل الأقوى الذى لا يصمد أى إعلام كلاسيكى لمنافسته، صورًا لأشخاص يجرون فى أروقة المحطة وقد اشتعلت ألسنة النيران فى أجسادهم، بدرجة تفوق قدرة المشاهد على التحمل والاستمرار فى المشاهدة، وهنالك لقطات لأشخاص مشتعلين يجرون على غير هدى، دون أن يتدخل أحد لإنقاذهم، وهو مؤشر اجتماعى خطير على درجة مرعبة من درجات الأنانية والتنكب للصداقات والمواطنة والحس الإنسانى، والتفسخ الاجتماعى الشامل، الذى خلقته الأزمات المصرية القاصمة المتوالية فى السنوات الأخيرة . وعندما انحسرت الأدخنة وألسنة النيران عن المشهد"الكارثى"، لم نجد فقط أجسادًا متفحمة، وإنما تمكنا من أن نرى صورتنا الحقيقية فى المرايا الصادقة، بخيرها وشرها، بحلوها و مرها وكانت المساحات السلبية من الصورة مرعبة بصورة حادة! 
 يلاحظ المؤرخون والمراقبون، أنه فى أزمنة المحنة السياسية والاجتماعية، تتحول الأخلاق الجمعية للمصريين إلى أسوأ حالاتها، وتشهد أردأ مستوياتها بصورة تفوق قدرتنا على التصديق، ففى أزمنة جفاف النيل فى التاريخ القديم انحسرت الصورة عن مساحة هائلة من"النذالة والتوحش"، عاشتها مصر وعاناها المصريون، على نحو ما حدث مثلاً فى"الشدة المستنصرية" حين غاب النيل عن جريانه المعهود لسبع سنوات متصلة، فتصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل. وخطف المصريون الخبز _ بجنون _ من فوق رؤوس الخبازين! و صنع الجائعون _ حد الموت _ الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة من الشوارع، من فوق أسطح البيوت، لالتهامهم !! ومن المفارقات التاريخية المدهشة، أن الوالى "محمد على"الأب الروحى للدولة المصرية الحديثة، كانت الفرصة سانحة أمامه عام 1803م  لقنص حكم مصر دون عوائق، ولكنه لاحظ حالة الفوضوية العامة بتأثير انخفاض خطير فى منسوب المياه، فانتظر حتى تنحسر الأزمة العامة تمامًا، فتنسب هذه الأزمة الخطيرة فى حقيقتها إلى"خورشيد باشا" الوالى العثمانى، لا إليه !!. 
وتكرر ظهور مساحة النذالة والتوحش فى حياة المصريين، بتأثير الجوع والأزمات المزلزلة عام 597 _ هجرية _ حين جف النيل وتوقف عن الجريان وقل منسوب المياه، لمدة ثلاث سنوات، عن اثنى عشر ذراعًا _ وهو منسوب الجفاف والمجاعات! _ ويقول "المقريزى" عن هذه الفترة: " .. تعذرت الأقوات بديار مصر، وأكل الناس الميتات، وأكل بعضهم بعضًا. و كفن نحو مائتى ألف إنسان، وأكلت الكلاب بأسرها.. وصار الناس يأكلون أولادهم!! .." وهو ما أثر على التعداد السكانى، فكان تعداد أهل القرية ذات الخمسمائة، يتقلص إلى خمسة أو ستة أشخاص! مصر مقبلة _ فيما يبدو  ودون مكابرة _ على أزمات من هذا النوع، وخبرة التاريخ تعلمنا أن وصول المعاناة الاجتماعية واليومية إلى سقف معين، نذير بانفجار معاناة اجتماعية خطيرة، تحتاج منا إلى أناة وتحوط ومسئولية جادة فى التعامل مع المستجدات الطارئة!. 
 ما أسميته بـ"مساحة النذالة والتوحش" المواكبة للأزمات الاجتماعية العملاقة، أحسسنا خطره فى الفترة الماضية مع بروز حالة الضغينة الاجتماعية والانشقاقات المجتمعية الكبيرة، والشماتة فى الموت للمدنيين والعسكريين، والتمزق المذهبى مع تباين الرؤى وتعمق الكراهية، واستحكام الاستقطاب الخطير والعواصف السياسية الكبيرة، وبروز ظل بعض الأزمات العنصرية! ولا يتعين أن نستغرب "بعض النذالة" المواكبة للأزمات، فهى مواكبة أيضًا لانكسارات الأحلام الكبيرة، ومثالاً لا حصرًا، فإن"أحمد عرابى" الزعيم الوطنى الأشهر، قد عانى فى أخريات حياته من الجحود والنكران من الجميع _ بعد فشل الثورة العرابية _ فهجاه "أحمد شوقى" بأربع قصائد، وأدار له الجميع ظهورهم، وبصق أحد الشباب فى وجهه، وهو جالس بأحد المقاهى فى"الزقازيق" قائلاً له: ".. أنت الكافر الذى خان مولانا!! .." ولم يكن "مولانا" هذا سوى الخديوى"توفيق" أكبر خونة مصر !! دفع عرابى الثمن نفيًا لمدة عشرين عامًا، و تحويلًا لبيته إلى "إسطبل"، واستيلاء الحكومة على مائتى فدان تخص عائلته، سرقتها السلطة، وكتب الرجل  نحو خمسين مظلمة للخديوى لاستردادها دون جدوى أو فائدة!. 
المصرى الوحيد الذى نجح فى خطف الأضواء فى أزمة القطار المزلزلة الأحدث، هو وليد مرضى "الذى قام بمحاولة إطفاء النيران المشتعلة فى أجساد الأبرياء، بشهامة ونبل، لا نجدهما كثيرًا فى عملة المرحلة القائمة منذ سنوات، وهو بائع بإحدى عربات النوم بالسكة الحديد. من إحدى قرى المنوفية، ويعمل فى المحطة منذ سبعة عشر عامًا، وحين ارتفعت النيران لعشرة أمتار إلى أعلى، أمسك "جيركن" مياه محاولاً  إطفاء الأجساد المشتعلة، قبل أن يتبين خطورة استخدام المياه على الأجساد، فنزع بطانيته الشخصية، محاولاً إطفاء الأجساد بها ، وبدا لى، فى بانوراما المشهد المؤسى، وكأنه يقوم بفرض الكفاية _ نبلاً وإنقاذًا وإغاثة _ بالنيابة عن مصر كلها، التى وقفت تتفرج بذهول وقلة حيلة، حاكمين ومحكومين!. 
 "ماتبقى لكم" _ عنوان مقالى أعلاه _ هو عنوان رواية بديعة كتبها الروائى الفلسطينى الكبير الراحل "غسان كنفانى"( 1936 _ 1972 )، فى إشارة إلى تآكل تدريجى للأرض التى نقف فوقها، بفعل الاستعمار والصهاينة وخلافاتنا الكبيرة العميقة، حتى لم يعد لدينا إلا بضعة أمتار، تحمل أقدامنا بصعوبة، هى "ما تبقى لنا " ! تجاسر المصرى النبيل "وليد مرضى" بطل لوحة النيران فى المحطة، فى أن يتحدث عما أسماه: " الدور الإنسانى"، فى موجة مرحلة لا عنوان لها إلا الأحقاد والشماتة والضغينة والشق الاستقطابى الخطير، فهل يكون "وليد مرضى" هو آخر ما تبقى من "إنسانيتنا" ونبلنا، بعد أن أحالت أزمات المرحلة كثيرين إلى "مسوخ" بلا ضمائر ولا لون! هل يكون "وليد مرضى" هو آخر"ما تبقى لنا "؟!.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • عشاء

    07:26 م
  • فجر

    04:25

  • شروق

    05:48

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:20

  • مغرب

    17:56

  • عشاء

    19:26

من الى