• الثلاثاء 23 يوليه 2019
  • بتوقيت مصر10:11 ص
بحث متقدم

معهد القلب.. سيكلوجية الجماهير الجديدة!

مقالات

ما جرى فى معهد القلب بالقاهرة، الشهر الماضى، واقعة كاشفة _ من كل الوجوه _ و تستحق أن نقف عندها طويلاً، بالفحص والدرس الشاملين، لأنها تكشف لنا عن زاوية شديدة الوضوح من زوايا الرؤية، التى تتيح لنا أن نفهم "نوع الإنسان" أو "المواطن"، الذى فرخته مرحلة خاصة من مراحل الأداء الإعلامى العصبى/ المتشنج، القائم على فكرة: "التعبوية " و "الخطاب التحريضى" البشع، الذى لا يكف عن التسخين، و تعبئة الغضب، وافتعال الخصوم، و "شيطنتهم" دون توقف! ويمكن لمن لا يهتمون بالأمور، و لا يكترثون بدراسة "سيكلوجية الجماهير" أن يمروا، فوق هذه المشاهد، دون اعتناء و كأنها لقطات نمطية "روتينية" لا تقدم أو تؤخر، لكن الذين يحترمون كلمة العلم _ و خصوصًا "علم النفس الاجتماعى" _ لا يرونها نمطية ولا روتينية، بل يرونها "مؤشًرا خطيرًا" على حالة "تراكم غضب أعمى" لا يعرف معنى " العقل " أو التفاهم، ويمكن أن يدمر أو يحرق جزءًا  كبيرًا  من المستقبل، بناره اللافحة! و يرونها _ من وجه آخر _ دليلاً على تحول "بشع" فى الحالة النفسية لشريحة كبيرة من الناس فى مصر، بتأثير هذا الإعلام (التعبوى) الخطير!. 
 وما جرى، ببساطة أن مريضًا  مصابًا  بجلطة حادة فى القلب، قد وصل إلى معهد القلب، فى الشهر الماضى، وهو فى حالة شديدة الخطورة حيث رصد الأطباء أن هناك شريانًا رئيسًا قد أصيب بـ "انسداد كامل ". وشكل الأطباء خلية عمل نشطة للتصدى لحالته الخطيرة، وبتأثير الإسعافات تحسنت حالته، ثم لم تلبث أن انتكست، مرة أخرى، ومع سوء الحالة التدريجى وصل المريض بالفعل إلى مرحلة الاحتضار، ففارق الحياة! وإلى هنا فنحن بإزاء مشهد اعتيادى، يحدث كل يوم، برغم ما نوقن به من أن رحيل إنسان _ أيًا ما كان _ فاجعة خطيرة لا يستهان بها تحت أى ذرائع،  حيث يستقبل هذا المعهد كثيرًا من الحالات الحرجة، من هذا النوع، وكثير منها يمكن أن يتعرض للوفاة، برغم بذل الأطباء غاية جهودهم للحيلولة دون هذا المصير المؤلم! والمعروف أن معهد القلب يستقبل يوميًا مابين 15 و 20 حالة جلطة حادة يوميًا، وقد تم إنقاذ الألوف من قبل، ومن الوارد ألا ينجح الأطباء فى إنقاذ بعض المرضى. وهو ما يحدث فى أى صرح طبى كبير فى العالم كله، بما فى ذلك "مشفى كليفلند" فى أمريكا!. 
 لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن اعتياديًا ولا مألوفًا، فى مستشفياتنا ومعاهدنا الطبية، فقد اندفع أقارب المتوفى، بحالة حادة من حالات الغضب الأعمى الهستيرى، الذى لا يبصر بمواطى الأقدام، فاندفعوا بسيل عارم من النقمة العمياء، إلى داخل المعهد، وحطموا كل شيء فى طريقهم، وهم مغمضو العيون، كما باشروا ألوانًا متباينة من الاعتداء الرهيب على أطباء المعهد، فى علقة ساخنة  جماعية لتكسير العظام، وتحولت أروقة معهد القلب إلى ساحة معركة حية، أو حرب أهلية خطيرة، وتحول أقارب المتوفى، إلى كتلة غضب مجنون، دون أى عقل، فاندفعوا إلى اقتحام  بهو الاستقبال، وطوحوا بأفراد الأمن الخاص بالمعهد، وظل الأطباء يتقافزون من أمامهم هاربين، من مصير الاعتداء الهستيرى، الذى قد يكون مميتًا! وتواصل السيل المندفع من الغاضبين، إلى كل غرف المعهد العريق، فأتلفوا "غرفة القسطرة " تمامًا حتى تحولت محتوياتها إلى قطع محطمة، مبعثرة فى كل اتجاه! ومن المعلوم أن غرفة القسطرة وحدها، قد اقتربت تكلفتها من خمسة عشر مليون جنيه !! كما بادروا إلى تحطيم جهاز آخر متفوق التقنية، لا تقل تكلفته عن خمسة وعشرين مليون جنيه! كان من العبث التفاهم معهم، و كان من قبيل إضاعة الوقت، محاولة إثنائهم عن هذه المعركة المجنونة المتهوسة، أو إفهامهم أن إتلاف هذه الأجهزة سيحرم ألوفًا من المرضى لا ذنب لهم من فرص النجاة أو البقاء على قيد الحياة، كما كان عبثيًا إفهامهم أن " قريبهم المريض" بجلطة حادة فى القلب ( ابن الثلاثين عامًا)، قد جاء متأخرًا، وأنه كان "متعاطيًا" يعاقر المخدرات، و يدخن السجائر بشراهة، وهو ما أثر على حالته الصحية بالتدهور الخطير، و يمكن أن نقول إنه كان من العبث أن تقف "الكلمة " ( أى كلمة عاقلة أو إصلاحية ) أمام هذا " الغضب المجنون" الذى صنعه الخطاب التحريضى المستمر، و صاغه أداء إعلامى ملتاث، عبر سنوات،  لم يكف عن تغذية النفوس بكل أشكال الغضب الأعمى المجنون، ونجح هذا المشهد فى أن يعرى أمامنا نوع "الإنسان" الذى صاغته المرحلة الإعلامية  الراهنة، وقد استفزت فى الناس روح "الانفعالات البدائية"، ونجحت بمنابرها الإعلامية المتشنجة _ غير المهنية _ فى تعبئة "إنسان أجوف" معبأ بغضب أسود لا عقل له،  لو تمكن من المشهد العام تمامًا لأحرق كل شيء، وحول الأوطان إلى بقايا أنقاض!. 
 ظهرت بدايات علم النفس الاجتماعى  فى القرن التاسع عشر، وهو العلم الذى يرصد التحولات السيكلوجية الكبيرة لدى الجماهير، سلبًا  وإيجابًا، ووصل هذا العلم إلى أكثر محطاته نضجًا لدى"جوستاف لوبون "المفكر المعروف فى كتابه الأشهر: "سيكلوجية الجماهير"، حيث ركز " لوبون" فى دراسته على ما أسماه: "العوامل اللاعقلانية فى تسيير الجماهير"، أو ميلاد النزعات اللاعقلانية العنيفة لدى الجماهير، كما ركز على ما أسماه: "جذور التصرفات العمياء، والانخراط فى جمهور ما " ! ومضى المفكر الفرنسى البارز يقدم ألوانًا من التحليل الفلسفى العميق لما أسماه " الجاذبية الساحرة التى تمارسها بعض القوى الشمولية أو العنيفة على الجماهير" و كيف نجحت "بعض الوجوه الحركية " _ فى التاريخ الإنسانى _ فى عمليات "التحشيد الجماهيرى الواسع " و خلق براكين من الغضب الأعمى، الذى يمكن أن نتنبأ ببداية دوران عجلاته، لكننا لا يمكننا التنبؤ بموعد توقف هذه العجلات الدائرة، كما لا يمكننا التنبؤ بكلفة دوران هذه العجلات و هى تطحن تحت سنونها المجنونة الحاضر، و جزءًا  من المستقبل !!. 
 وعلى الطريق نفسه قدم لنا المؤرخ المعروف "جورج لوفيفر" دراسة ضافية حول الثورة الفرنسية بعنوان: "دراسات حول الثورة الفرنسية "، أوضح فيها كيف تنفجر شريحة واسعة من الجماهير، وفق نظرية " العدوى " أو " التحريض "، و طرح كثيرون من المفكرين، و خصوصًا "روبير ماندرو"، تحليلات موسعة، حول ما جرى فى " كومونة باريس " فى أعقاب خروج فرنسا مهزومة فى حربها مع ألمانيا عام 1870 م، لتكثيف الأضواء على "سلوك الجماهير" حين تتعرض للشحن بطريقة العدوى !. 
 وقد تضافرت كل هذه الدراسات لتأكيد أن "هجوم الجماهير على مسرح الأحداث " كما يقول " لوبون " لا يخضع لمنطق واضح، ولا ينقاد لمعيار محدد، ولا يمكن التنبؤ بمقدماته أو دوائر تفاعله وتداعياته، وما أود قوله هنا، بوضوح، إن أداء بعض الإعلاميين فى مدينة الإنتاج الإعلامى، و خارج أسوارها، قد عبأ النفوس بنوع أعمى من الغضب، ونزعات التصنيف الجاهزة، وافتعال الخصوم بشكل مصطنع متحامل، وهو ما رأينا نتائجه المدمرة فى مشهد "معهد القلب"، حيث تأكدنا أن الأداء المتشنج لبعض الإعلاميين، قد أثر فى شريحة واسعة من الناس، و حولها إلى "ماكينات عمياء من الغضب و الانتقام الأعمى و الثأر الدموى"! وبات واجبًا على الجميع تحريك الخيال السياسى بابتكار ومسئولية، لتدارس "سيكلوجية الجماهير" الجديدة التى صاغها إعلام الدفع الرباعى  القائم على التسخين والتحريض، وما يلحق بهذه المراجعات الفكرية المسئولة حول أسئلة المستقبل، من خطوات ضرورية لتغيير المسار، بصورة جذرية تستعيد فكرة التعايش والسلم الأهلى، قبل "فوات الأوان" !.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • ظهر

    12:06 م
  • فجر

    03:34

  • شروق

    05:11

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:02

  • عشاء

    20:32

من الى