• الأربعاء 19 يونيو 2019
  • بتوقيت مصر11:45 ص
بحث متقدم

من دفتر يوميات الخلافة (9)

مقالات

ينقل لنا "ابن المرتضى"، تفاصيل أخرى، أخفاها المؤرخون المسلمون الكبار، المؤيدون لأيديولوجيا "الجبر" التي ما انفكَّت، تستنسخ لنا ـ ونحن في القرن الحادي والعشرين ـ من سلالة الأمويين والعباسيين، ذات النماذج من (سلاطين ومشايخ)، وخطاب ديني إما متواطئ.. يسكت وإما يبرر التصفية الجسدية للمعارضة خارج القانون! وإما يحرض عليهم ولا يخفي شماتة في جز رؤوسهم، والتمثيل بجثثهم، وتعليقها على جذوع النخل.
رواية "ابن المرتضى" تبيَّن شجاعة "غيلان الدمشقي"، في تحدي الرجعية الأموية، حتى وهو يعذب بقطع يديه ورجليه، لم يمنعه ذلك من أن يدافع عن رأيه وعن عقيدته والمجاهرة بهما في وجه السلطان الأموي الدموي هشام بن عبد الملك.. يقول ابن المرتضى: "فلما ولي هشام خرج غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية، فأرسل هشام في طلبهما. فجيء بهما فحبسهما أيامًا، ثم أخرجهما وقطع أيديهما وأرجلهما، وقال لغيلان: كيف ترى ما صنع بك ربُّك؟ فالتفت غيلان، فقال: لعن الله من فعل بي هذا. واستسقى صاحبُه، فقال بعضُ من حضر: لا نسقيكم حتى تشربوا من الزقوم. فقال غيلان لصالح: يزعم هؤلاء أنهم لا يسقوننا حتى نشرب من الزقوم. ولعمري لئن كانوا صدقوا فإن الذي نحن فيه يسيرُ في جنَب ما نصير إليه بعد ساعة من عذاب الله . ولئن كانوا كذبوا فإن الذي نحن فيه يسبر في جنب ما نصير إليه بعد ساعةٍ من رَوْح الله. فاصبر يا صالح. ثم مات صالح، وصلى عليه غيلان، ثم أقبل على الناس، وقال: قاتلهم الله، كم من حق أماتوه، وكم من باطل قد أحيوه، وكم من ذليل في دين الله أعزوّه، وكم من عزيز في دين الله أذلوه. فقيل لهشام: قطعتَ يدي غيلان ورجليه وأطلقت لسانه، إنه قد بكّى الناس، ونبههم على ما كانوا عنه غافلين. فأرسل إليه من قطع لسانه، فمات، رحمه الله تعالى"، انتهى.
مأساة غيلان الدمشقي، اختبار لصلاحية الفقه القديم، بشقيه السياسي والجدلي، في أن يكون مرجعية لأهم منتجات الحداثة السياسية، وهي "حقوق الإنسان": حق الاختلاف، حرية الرأي والتعبير، تجريم التعذيب والقتل على الرأي وعلى الهوية السياسية والأيديولوجية والمذهبية.. والفصل بين السلطات.. وما شابه.
فقد خالف "غيلان"، أهل السنة، فمنهم من كفره ومنهم من لم يخفِ شماتة في قتله، ولم يعترض فقيه واحد من فقهاء تلك الفترة على طريقة تعذيبه وقتله: قطع اليدين والرجلين واللسان.. ثم صلبه على أحد أبواب دمشق.. فيما لم يدِن أحد أن يقتله الخليفة بيده بدون محاكمة عادلة:
يروي ـ مثلًا ـ ابن عساكر في تاريخ دمشق، موقف الإمام مكحول الشامي، الذي يصفه الذهبي في السير بأنه "إمام أهل الشام".. وقال الزهري عنه "العلماء أربعة: سعيد بن المسيب بالمدينة والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام".
يقول ابن عساكر: "جاء رجلٌ إلى مكحول من أصحابه فقال: يا أبا عبد الله، ألا أعجبك، إني عدت اليوم رجلًا من إخوانك، فقال: من هو؟ فقال: لا عليك، قال: أسألك، قال: هو غيلان، فقال مكحول: إن دعاك غيلان فلا تجبه وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تمشِ في جنازته"!.
يا لهذه القسوة من "إمام الشام".. يقسو عليه في مرضه وفي موته.. ويحرمه من كل حقوقه كمسلم وكإنسان.. لمجرد الخلاف في الرأي!.
وللحديث بقية إن شاء الله

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

برأيك.. ما هو أفضل فيلم تم عرضه بعيد الفطر؟

  • ظهر

    12:01 م
  • فجر

    03:14

  • شروق

    04:56

  • ظهر

    12:01

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    19:07

  • عشاء

    20:37

من الى