• الخميس 19 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر05:31 م
بحث متقدم

وصيته لبلاده

مقالات

صاحب الوصية هو د/إبراهيم شحاته(1928 – 2001م) وكثيرون من الأجيال الصاعدة لا تعرف هذا الاسم وصاحب هذه الوصية لبلاده وبالطبع لا يعرفون شيئا عن الوصية نفسها التى كتبها نائب رئيس البنك الدولي وقتها سنة 1999م  وقدمها للمسؤولين في مصرعن طريق د/أسامة الباز رحمه الله حيث جمعتهما صداقة قديمة وقت دراساتهما معا في الستينيات بجامعة هارفارد الأمريكية العريقة للحصول على الدكتوراه_ القانون الدولي_ وكانت رسالة د/ إبراهيم شحاتة عن (محكمة العدل الدولية)ووصفت الجامعة الرسالة  بأنها رفعت من قيمة شهادة الدكتوراه من الجامعة وأن الرسالة لا تؤهل صاحبها فقط للحصول علي الدكتوراه ولكنها ترفع من شأن هذه الشهادة ومن شأن الجامعة. جامعة هارفارد على فكرة تضع في المدخل الرئيسي لكلية القانون نقشا مكتوبا للآية 135 من سورة النساء التى تبدأ(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ..).
 د/إبراهيم كان أول دفعته فى حقوق القاهرة سنة 1957م _وهذه الدفعة كان بها الراحل كمال الشاذلي البرلماني الشهير فى عهد مبارك وعمرو موسى وزير الخارجية _ فور تخرجه عمل بمجلس الدولة  لمدة 3 سنوات وكان ينشر في مجلة المجلس بحوثا ومقالات عن الشريعة الإسلامية وكانت تلك طبيعة المجلة فيما يبدو لأن مؤسسها  عام 1950م كان صاحب كتاب(مصادر الحق في الفقه الإسلامي) العلامة السنهوري باشا,, لكن ذلك النهج العلمي المبكر باتجاه بحوث الشريعة الإسلامية لم يستمر طويلا مع د/شحاته بل ان له موقفا قاسيا بعض الشيء على التيارات السياسية الإسلامية التى كانت سائدة في الأربعين عاما الماضية وله بعض الحق .. وسنعود لهذه النقطة تحديدا مع فصول الكتاب,, بعد عودته من أمريكا عين مدرسا بحقوق عين شمس ولكنه لم يستمر وسار في طريق أخر بدأه بالعمل في الكويت مستشارا قانونيا في الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن خلاله عمل في صندوق منظمة الأوبك(المصدرة للبترول)بفيينا ومنها إلى البنك الدولي عام1983م حتى وفاته عام 2001م حيث كان نائبا لرئيس البنك الدولي للشئون القانونية ..لكن ما علاقة التخصص في المجال القانونى بالاقتصاد والتنمية؟ .. التطورات السياسية والاقتصادية الدولية هي ما أتاح له الاقتراب من أعمال اقتصاديات التنمية وذلك بعد انفجار مشكلة المديونية الدولية حين أعلنت المكسيك عام 1982 عدم سداد ديونها وتبعتها الأرجنتين وشيلي مما أدي إلي ارتباك كبير في النظام المالي الدولي  وتوقفت البنوك الدولية عن إعطاء قروض للدول النامية‏‏ فقام البنك الدولي بإنشاء منظمة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية والقروض طويلة الأجل للدول النامية‏ وهنا تأتى الفرصة الكبيرة ..فيطلب من الدكتور إبراهيم شحاتة إعداد القانون الأساسي لتلك المنظمة .. واكسبه ذلك العمل واستمراره فيه معرفة واسعة باستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ولماذا تنجح دول وتفشل أخري في تحقيقها‏.‏ ثم بعد وصوله إلى  درجة نائب مدير البنك الدولي للشئون القانونية  كان يحضر كل الاجتماعات تقريبا في البنك وكان ذلك مصدرا مهما للمعلومات والدراسات التنموية والتي ظهرت بعدها وهو ينظر بعين الآبن البار إلى وطنه الأم في تقديم دراسات مهمة عن الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والدستوري  لبلاده( كتاب برنامج الغد سنة‏1987‏ كتاب نحو الإصلاح الشامل سنة‏1992‏ كتاب وصيتي لبلادي سنة‏1999).
كتاب(وصيتي لبلادي) يبدأ باستحضار الآية الكريمة (ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ? وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) من سورة الأنفال والآية الكريمة(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)من سورة الرعد.
ثم كلمات من الجزء الثانى من مذكرات جان مونيه(1888-1979م) الملقب  بالأب الروحى للاتحاد الأوروبي  اذ كان هوفعلا القاطرة التى بدأ بها الاتحاد فيقول ‏:‏ ينبغي لتغيير مجري الأشياء أن ننجح في تغيير روح الناس‏.‏ ولا يغير الوضع الجامد الحالي إلا عمل مباشر ينصب علي نقاط رئيسية‏:‏ عمل متعمق وحقيقي ودرامي يغير الأمور ويدخل في مجال الحقيقة التطلعات التي كاد الناس أن يفقدوا أي أمل في تحقيقها. 
ثم يقول د/إبراهيم في المقدمة‏:‏مازلنا باختصار في حاجة ماسة إلي التغيير‏,, تغيير أنفسنا وتغيير سلوكياتنا‏ وتغيير مفاهيمنا حول التعامل فيما بيننا ومع الآخرين‏.‏ مازلنا في حاجة إلي وفاق مشترك يأتي نتيجة طبيعية لحوار عريض ولمعرفة ما يجري في مجتمعنا واقتصادنا وما يجري حولنا في العالم‏,, بل مازلنا في حاجة شديدة إلي تعميق الإصلاحات الاقتصادية والأمر متوقفا علي قدرتنا علي اتخاذ القرارات اللازمة وتنفيذها من أجل مستقبل أفضل لمصر‏‏ حتي لو كانت هذه القرارات صعبة ولم نتفق مع أحد علي اتخاذها ولقد كتبت وصيتي لبلادي من أجل هذا التغيير الذي نحن في حاجة إليه من أجل أنفسنا ومن أجل أبنائنا وأحفادنا.
أهم ما لفت نظرى في الكتاب هو اهتمامه بموضوع (الفساد) الذى يعتبره أكبر عقبة في سبيل الإصلاح  ويعرفه بقوله : الفساد يحدث عندما تقتضي وظيفة معينة عامة أو خاصة ـ توزيع منافع بين الناس أو تقديم سلعة عامة أو خدمة عامة لهم‏‏ ويتاح للقائم علي هذه الوظيفة التحكم أو التحايل لتحقيق نفع شخصي لنفسه أو لغيره‏ إما لغيبة أي قواعد ينبغي اتباعها‏, أو لوجود قواعد ناقصة تعطي الموظف قدرا كبيرا من الاختيارات الشخصية‏‏ أو لوجود قواعد معقدة ومبالغ فيها تجعل من المطلوب التهرب من تعقيداتها,, بل ويحدث الفساد عندما يطبق الموظف القواعد كما هي مكتوبة‏‏ ولكن بطريقة انتقائية لمصلحته الخاصة أو لمصلحة من يتولاهم أو من يدفعون له‏.       كما يحدث الفساد عندما يتيح عمل الموظف له الاطلاع علي معلوما(مثل ما حدث فى الخصخصة)غير متاحة للكافة‏ فيستخدمها لتحقيق نفع شخصي و هوما يعرف بالإتجار بالمعلومات من الداخل‏ وهو يرى أن الفساد لا يقتصرعلي الحكومة وأجهزتها البيروقراطية‏, كما انه لا يقتصرعلي تقديم الرشاوي أو قبولها‏ إنما يأخذ أشكالا وصورا مختلفة ويمكن ان تتم ممارسته في ظل نظم الحكم المتباينة‏‏ وفي داخل كل السلطات . ولا حل له إلا في قوة الدولة وتوسع المجتمع المدني..  يتحدث أيضا فيه عن الخيارات المتاحة لمصر‏(إلى الخلف /إلى الأمام/ محلك سر)‏ وأيضا عن إعادة تنظيم جهاز الدولة‏‏ و الزيادة السكانية والقضاء علي الأمية ورفع مستوي التعليم وانطلاق القطاع الخاص والتوسع الكبير في الصادرات (أهم مصادر الدخل القومى ).
أيضا تحدث عن رؤيته للدستور (عام 1999 هذا الكلام..) ويتحدث عن  الحركات التي تسمي نفسها (إسلامية)_هكذا قال_ و بأن لديها الحل لكل مشاكل المجتمع كشعارعام(مثل الإسلام هو الحل ..والإضافة من عندى) ولا تقدم بعده للناس تحليلا وافيا للتفاصيل التي يقتضيها هذا الحل أو تقدم حلولا سطحية لا تخفي العبارات التي تغلفها ما في حقيقتها من سذاجة  ويقول إنهم أخذوا الإسلام رهينة لطموحاتهم السياسية .. و الحقيقة أن المتأمل للحالة الأخلاقية والصبغة الإسلامية للإنسان المصري بعد 40 سنة من النشاط والحركة في طول وعرض المجتمع لا يسعه إلا أن يتساءل بأكثر العبارات يسرا عن الدور الحقيقي للحركات الإسلامية ..هل كان بناء وإصلاح ودعوة لتعزيز وتدعيم الإسلام  في نفوسنا وأخلاقنا وتحقيق الخير العام لكى نتبع اختياراتنا الصحيحة عندما نعثر عليها.. باعتبار الإسلام أكثر تجليات قوة الأمة وهو الأساس للإحساس المشترك وهو الذى يمنح هذه الأمة الوحدة والقانون والثقافة ؟ أم كان سياسة وسلطة وحكم  ابتداء وانتهاء؟.
الكتاب يمتلئ بالموضوعات الفكرية والاقتصادية والسياسية و المجتمع والدولة  والحاضر والمستقبل. وهو جدير بالقراءة والمناقشة العميقة . والأهم توسيع نشره والتعريف به .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • مغرب

    06:01 م
  • فجر

    04:22

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى