• الخميس 19 سبتمبر 2019
  • بتوقيت مصر05:33 م
بحث متقدم

من يوميات دفتر الخلافة (11).. الفقه في وحشيته!

مقالات

كان لافتًا لي أن الإسلاميين هم الأقل إنسانية، والأكثر قسوة ووحشية، من كل التيارات الفكرية التي تعاملتُ أنا شخصيًا معها.. لم أجد لهذه الظاهرة تفسيرًا لسنوات طويلة، على عكس ما كان مُفترضًا: فالإسلام كدين، جعل الإنسان محور الكون كله.. بل إن الله تعالى خلق الكون من أجل الإنسان.. ومع ذلك لا تجد للإنسان (دمه وعرضه وماله) كرامة ولا قيمة ولا وزن عند الإسلاميين!!
ظلت هذه الظاهرة مُحيرة وغامضة تستعصي على الفهم والتفسير، إلى أن اطلعت على مأساة "الحلاج/ أبو مغيث" ـ مثلا ـ عندما أمر الخليفة الفاسد "المقتدر بالله" ـ الذي لم يكن يفيق من السُكْر، والاستمتاع بدفء أحضان المحظيات والجواري والنساء ـ بتقطيع يديه ورجليه وصلبه ثم قتله وتقطيع جثته ثم حرقها وإسالتها في نهر الفرات!!
هذه الجريمة، التي لا يُقرها ضمير ولا علم ولا فقه ولا دين ولا أخلاق ولا إنسانية.. لم يثبت أن فقيهًا واحدًا من فقهاء زمانه، قد أدانها أو على الأقل أدان "التمثيل بالجثة"!! بل إن شيخ السلفية ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" كفًّر الحلاج وأباح قتله.. ولم يُدن الطريقة التي قُتل بها، وإنما ألمح إلى أنه يستحق ما لحق به من ذبح وتمثيل وحرق للجثة!
يقول ابن تيمية صراحة: "منْ اعْتَقَدَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَلاجُ مِنْ الْمَقَالاتِ الَّتِي قُتِلَ الْحَلاجُ عَلَيْهَا فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ; فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا قَتَلُوهُ عَلَى الْحُلُولِ وَالاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَقَالاتِ أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ.. وَبِالْجُمْلَةِ فَلا خِلافَ بَيْنِ الأُمَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِحُلُولِ اللَّهِ فِي الْبَشَرِ وَاتِّحَادِهِ بِهِ وَأَنَّ الْبَشَرَ يَكُونُ إلَهًا وَهَذَا مِنْ الآلِهَةِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَعَلَى هَذَا قُتِلَ الْحَلاجُ".
ليس مُهمًا ما قاله "الحلاج"، فهو بمعايير العصر "حرية رأي" أو "حرية عقيدة" مُصانة بالقانون والدستور.. ولكن المُهم السؤال بشأن ما إذا كان مثل هذا الفقه القاسي والمُعادي للإنسان ولحريته ولاختياره، مناسبًا ليكون جزءًا من دساتير الدولة الحديثة؟!
أيضًا.. مأساة غيلان الدمشقي، عززت قناعاتي بقسوة فقه الخلافة القديم، ومعاداته للإنسان.. كإنسان وحريته واختياره.. وهي قسوة مشتركة وممتدة حتى وقتنا الراهن: تأملوا مثلاً رأي أحد كبار العلماء الذين عاصروا مقتل غيلان والتمثيل بجثته، وهو "رجاء بن حيوة".. وهو فقيه كبير وصفه الذهبي في السير بأنه من "جُلة التابعين".. و"الإمام القدوة الوزير العادل".. تلقى العلم على يد معاذ بن جبل، وقال ابن سعد كان "ثقة عالمًا فاضلاً كثير العلم، وقال النسائي وغيره ثقة" وقال الأصمعي سمعت ابن عون يقول: "رأيت ثلاثة ما رأيت مثلهم محمد بن سيرين بالعراق والقاسم بن محمد بالحجاز ورجاء بن حيوة"، وقال أبو نعيم الأصبهاني "في حلية الأولياء": "ومنهم الفقيه المفهم المطعام مشير الخلفاء والأمراء رجاء بن حيوة أبو المقدام"، وقال ابن حبان في مشاهيره: "كان من عباد أهل الشام وزهادهم وفقهاء التابعين وعلمائهم مات سنة اثنتي عشرة ومائة للهجرة".
ماذا قال هذا "التابعي" الكبير بشأن جريمة الخليفة بذبح غيلان وتقطيع يديه ورجليه ولسانه ثم التمثيل بجثته بصلبه على أبواب دمشق؟!..
يقول ابن عساكر في تاريخ دمشق: "إن رجاء بن حيوة كتب إلى هشام بن عبد الملك: بلغني يا أمير المؤمنين أنه دخلك شيء من قتل غيلان وصالح، وأقسم لك بالله يا أمير المؤمنين إن قتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم أو الترك".. انتهى.
تأملوا النص جيدًا.. لتعلموا من أين جاءت قسوة الإسلاميين ووحشيتهم وعداوتهم للإنسان.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى..

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • مغرب

    06:01 م
  • فجر

    04:22

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:01

  • عشاء

    19:31

من الى