• الإثنين 18 نوفمبر 2019
  • بتوقيت مصر10:23 ص
بحث متقدم

الجاذبية بين البيروني وإسحاق نيوتن

مقالات

ساهمت  عوامل  عدة  في تراجع  العقل العربي عن ممارسة  فكرة الإبداع  و التحليل  للقضايا  العلمية المختلفة و الإسهام في المسيرة الحضارية، ومن هذه  العوامل ما يطلق عليه  العالم الهندي سي كيه راجو ، الاحتلال العلمي Academic Imperialism  الذي تبدى في صور مختلفة منها سرقة المنجز الحضاري و العلمي للشرق ونسبته إلى العالم الغربي حتى نشأت الأجيال الجديدة في ظل مناهج تعليمية قاصرة  تتجاهل مادة تاريخ العلوم history of science  ، وتقوم بتدريس المنتج النهائي العلمي على أساس أنه منتج غربي  متجاهلة بذلك دور كبار علماء الشرق على مر العصور في  تكوين بنية الحضارة العالمية .  وربما كان كتاب التراث المسروق Stolen legacy (1956)  للعالم الأمريكي جورج جيمس دور مهم في بداية مراجعة السطو الغربي على منجز الحضارات الشرقية . وقد تبعته مؤلفات أخرى تلقي الضوء على هذه القضية الخطيرة ، ومن أشهر هذه المؤلفات كتاب أثينا السوداء Black Athena  للمؤلف البريطاني مارتن بيرنال Martin Bernal  و الذي صدر في ثلاثة أجزاء بدءا من 1979 و حتى 2006 . لكن مازالت المناهج التعليمية  تتجاهل المنجز العربي و الشرقي في صياغة النظريات العلمية الكبرى ، وهذا التجاهل لتاريخ العلم هو أخطر ما تعانيه الأمة العربية الآن ،  ومهما تطورت المناهج التعليمية دون تدريس تلك المادة فالنتيجة المتوقعة ستكون ما يشبه عملية الحرث في البحر ، وتفريخ  عقول عربية تابعة و أسيرة للفكرة الغربية . إن أحد أهم مميزات تدريس مادة تاريخ العلم أنها سوف تعيد الثقة للعقل العربي الذي سوف يدرك أن لديه علماء لا يقلون فاعلية و تأثيرا عن كبار العلماء الغربيين مثل نيوتن وأينشتاين ، ومن هؤلاء  العلماء ، العالم الأشهر البيروني الذي يعد أحد أهم عباقرة العالم على مر العصور . وقد  تناول البيروني في كتابه القانون  المسعودي عدة قضايا فلكية شهيرة ومنها فكرة دوران الأرض وشكلها الكروي و جاذبيتها . لقد استطاع البيروني من خلال علم حساب المثلثات أن يبتكر طريقة علمية مختلفة عن طريقة اليونان في حساب طول نصف قطر الأرض ، ومحيطها بدقة كبيرة تقترب من الأرقام الحالية . كما أشار إلى اختلاف العلماء فيما بينهم حول دوران الأرض (قبل كوبرنيكوس) بعدة قرون . وعلى الرغم من أن البيروني في نهاية النقاش مال إلى ثبات الأرض وعدم دورانها من خلال منهجه التحليلي ، فإن فكرة دوران الأرض كانت فكرة (عالمية) مطروحة لدى الهنود و الإغريق و العرب والحضارات المختلفة. فهي ليست فكرة كوبرنيكية كما يشيع البعض و كما تزعم المناهج التعليمية التي تتجاهل ذلك التراث  العلمي التراكمي . و من المسلمات المزيفة أيضا التي تقدم ببساطة و لا مبالاة  ودون اعتبار للمسئولية العلمية الملقاة على عاتق واضعي المناهج التعليمية مسألة الجاذبية الأرضية ، وأن نيوتن هو مكتشف تلك  الظاهرة  من خلال قصة التفاحة ، وهي قصة مزيفة لا توجد في أي مرجع علمي ، وهي من قبيل (الأساطير العلمية) . إن نسبة اكتشاف الجاذبية إلى نيوتن دون التعرض  لتاريخ (فكرة الجاذبية) أمر مخالف للحقيقية ، فقد تناولها البيروني أيضا في الكتاب المشار إليه (القانون المسعودي) ، و هو الذي استخدم مصطلحات من قبيل مركز الأرض ، وكرة الأرض ، والأجسام الثقيلة والخفيفة وكيف  ومقدار انجذابها إلى مركز الأرض ، في عبارات علمية دقيقة و محكمة ، لكن دور نيوتن كان  وضع الصيغة الرياضية التي تعبر عن تلك الجاذبية بين الأرض و الأجسام المختلفة ، وهو أمر طبيعي ، لأن حدود المعرفة الإنسانية لا تقف عند نقطة معينة بل هي متطورة وفي صيرورة دائمة وفقا للسياق الثقافي و الاجتماعي الذي نشأت فيه ، ومن خلال الأفكار التراكمية التي تكونت بين الشعوب المختلفة فيما يشبه علمية (التبادل الثقافي والمعرفي)..  إن هذا السطو العلمي والتزييف المعرفي  الذي يمارسه العالم الغربي والذي نردده دون مناقشة وتحليل ، والذي تصر المناهج التعليمية على تقديمه بهذه الطريقة المبتورة يمثل مغالطة ينبغي تصحيحها ، كما يمثل نوعا من الاحتلال للعقل العربي الذي لم يعد قادرا على الإبداع و المناقشة . و مسألة الجاذبية هذه مجرد مثال على تشويه الحقيقة التاريخية و العلمية ، فهناك مجالات علمية  أخرى في الجيولوجيا و الفلك و الأنثروبولوجي وغير ذلك من التخصصات تم السطو عليها ونسبتها إلى علماء غربيين مع أن علماء العرب كانوا هم أول من كتب فيها أو على الأقل كانوا من المشاركين في وضع أسسها العلمية . وفي النهاية فإن تطوير تعليمي دون تدريس مادة (تاريخ العلوم) هو مشروع منقوص و مغلوط ، ويسهم في تكريس التبعية للمناهج الغربي. والخطوة الأولى المطلوبة هي خطوة استعادة الثقة بالعقل العربي ومنجزه العلمي و الحضاري ، وهذا لا يمكن أن يحدث في ظل تلك المناهج التعليمية المشوهة .       

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما هي توقعاتك بشأن أزمة سد النهضة؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    05:03

  • شروق

    06:29

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:40

  • مغرب

    17:00

  • عشاء

    18:30

من الى