• الثلاثاء 20 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر04:00 ص
بحث متقدم

المسيرى..ذكرى زمن خاص وسمات لا تٌنسى

مقالات

الثلاثاء 2/7/2019  ذكرى وفاة المفكر والفيلسوف د/عبد الوهاب المسيري  وهى الذكرى التى تمثل بالنسبة لى  زمنا خاصا ذلك أننى كنت معه ليلة وفاته في المستشفى وكان يجلس على كرسيه يقظا صحيحا في حاله معنوية ونفسية طيبه ووادعة , ابتسامته أضوء, عيناه أوثق, ووجهه يفيض بالبهجة الجميلة ..ليس هذا بوجه مريض أو حتى مريض يتعافى !! وأخذنا نتحدث عن الأيام المقبلة بعد خروجه,,لكن الصباح أتى وأتى معه خبر وفاته.. واجه إنسانيته وصار قادرا على مواجهة موته براحة وطمأنينة.
سنين مرت  كأنها ساعات,, 11 سنة مرت على وفاة د/عبد الوهاب ! كأنها أمس القريب أو أول أمس .       لن تمر ذكرى وفاته ولا ذكرى ميلاده دون ان أتذكرها وأعيشها ليس حبا ووفاء فقط ,, ولكن لمعايشة فكر تمثل في شخص وشخص تمثل في فكر فكان هو والفكر سواء والشخص ليس بالعادى فقد كان له سمات وصفات لا تنسى والفكر ليس من الماضى بل هو فكر اليوم والغد . هناك أحداث كثيره تأتى وتمر لكننا قد لا نتذكرها كذكرى ,, فقط نتذكرها كماضى مضى ..لكن الحياة في صحبة د/عبد الوهاب ليست كأى حياة.. إنها حزمة حيوات ..إنه عالم عبد الوهاب المسيرى بالفعل كما نشرت دار الشروق مجلدين بهذا العنوان .
فى القرب عرفناه وفى البعد عرفناه لكن بقوانين الحياة كلما ابتعد أكثر كلما عرفناه أكثر, يقولون إن المعاصرة حجاب, بما يعنى انك لا تعرف قدر الناس الذين تعيش معهم فى عصر واحد ولا تعرف قيمتهم إلا بعد مسافة زمنية تأخذها منهم قد تطول وقد تقصر, هذه المقولة حاولت وأنا فى وعى بها تماما أن أضعها إلى جوار العلامة عبد الوهاب المسيرى فلم أجد لها مكانًا , فقد كنا نعرف قيمته وقامته فى حياته ولا زالت تلك القيمة ممتدة إلى اليوم, ذلك أنه منحنا ضوءًا فكريا كبيرا ومنيرا,, عرفنا به المعنى وكشفنا به الطريق.
حين عاد من أمريكا في بداية السبعينيات وكان وقتها عمره 32 عاما (8/10/1938) وكان قد حصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي وكما يقول(كنت ممتلئاً ثقة بمقدرة الإنسان على تغيير واقعه وإقامة العدل على الأرض) كان يبحث للإنسان عن محيط فاضل يعيش فيه,, لهذا حرص على الانخراط في حركة المجتمع بالمعنى الإنساني والحضاري وليس المادي, خلال هذه الفترة تحديدا هاجمته كما يقول (ثلاث ذئاب شرسة) والتي استحوذ هو عليها بدلا من أن تستحوذ هي عليه, وهى بالغة الشراسة بالفعل  لكل المشتغلين بالعمل العام
ذئب الثروة /وذئب الشهرة /والذئب المعرفى , الذي يصفه بأنه اخطر هذه الذئاب علميا وموضوعيا وأيضا ذاتيا, ذئب الثروة كان هشا وضعيفا عند د/عبد الوهاب وهو ليس كذلك بوجه عام إذ يكفى صحبته للأستاذ هيكل والذى كان يرفل فى الثروة من رأسه حتى أظافره ويعيش حياته مغموسة غمسا فى الترف والنعيم متأثرا فى ذلك بأستاذه محمد التابعى ,لم يتأثرد/عبد الوهاب بحالة ا/هيكل كما حدث لهيكل مع التابعى لكنه كان يدرك أهمية المال, فلابد للدنيا لمن كان فى الدنيا كما يقولون فاقتنى بيتا جميلا لم يعقه المال عن أن يبنيه وينهيه بالشكل والجمال الذى يرتضيه وهو كذلك بالفعل, وكان يحسن استقبال ضيوفه على أكرم وأسخى ما يكون الاستقبال والضيافة .                                                                       
كان يود ان يكون مشهورا وسعى فى سبيل ذلك وحقق شهرة لا بأس بها فى الثلاثينيات من عمره,,  لكن سفره لأمريكا من منتصف السبعينيات الى بداية الثمانينيات جعله مغمورا, وحين عاد ثانية إلى القاهرة وفٌرض عليه طوق عزلة قاسٍ بعد كامب ديفيد وكما يقول (وجدت نفسي نًكٍرة على حين غرة)وهنا بدأ ذئب الشهرة يهاجمه بشراسة , وقد تعامل المسيري مع هذه الصدمة النفسية برقي وتفهم عميق وأدرك جوهر الأمر فيقول: كان على أن اجلس إلى نفسى وأفكك موضوع الشهرة هذا وأضعه فى حجمه الطبيعى (أريد ان أكون مشهورا لا للشهرة فى حد ذاتها وإنما لكى أحقق ذيوعا لأفكاري كما ان الشهرة تمنح المرء قدرا من الحصانة فى المجتمعات الاستبدادية)
تحمى من الاعتقال والأذى بدرجة ما,,واستطعت ان أسيطر على هذا الذئب كما يقول رحمه الله ,وهو يرى ان شهوة الشهرة والجاه وذيوع الصيت أشرس واعنف من شهوة جمع المال والثروة . وهو ما يذكرنا بقول ابو حامد الغزالى في المنقذ من الضلال :(مكثت طويلا  حتى الخمسين من عمرى ودوافعى كلها طلب الجاه واشتهار الصيت. واذا بصوت ينادى : الرحيل الرحيل فلم يبق من العمر إلا القليل وأمامك السفر الطويل وجميع ما أنت فيه رياء وتخييل). وكان ما نعرفه بعدها من اعتزاله الناس وخروجه الى الصحراء سائلا الله الهداية.
وكما فعل د/عبد الوهاب مع الثروة والشهرة فعل مع الذئب المعلوماتى/المعرفى, اخطر الذئاب كما يقول خاصة بالنسبة للعلماء والمفكرين يقول فى ذلك:التوحش المعرفى يتطلب من الإنسان ان يصل الى أعلى مستويات التجريد وأيضا مع أدنى مستويات التخصيص وهذا يفوق قدرة البشر المحدودة , فقط يكفى نظرة شبه كليه وبعض المعلومات والشواهد التى يبنون من خلالها رؤيتهم العامة والنظرية. وكما يقول المتنبى:
أبلغ ما يطلب النجاح به **الطبعوعند التعمق الزللُ                                      

المسيرى قال ومضى, وما قاله احتل مكانا واسعا فى الفكر الإسلامي والإنساني وستأتي الأزمنة المقبلة لتعرفه وتعرف به بما يكافئ ما قدمه وتركه خلفه من تلال الحقائق والأفكار. وستقول له دنيا البشر فى كل وقت وحين (عليك أن تعلو عليك)كما قال محمود درويش فى رثاء معين بسيسو.فقد كان رحمه الله يواتيه لسانه على إبانة كل ما يريده,,قوى العزيمة على الشىء الذى يرى أنه ينبغى عليه عمله .. كان وحده يمثل تيارا فكريا منظما ومتكاملا.                                              
بتاريخه الخاص ولغته الخاصة وأنماطه الخاصة.. ستظل كتابات الدكتور المسيري تٌقرأ قراءة مرجعية لدى الباحثين والدارسين وعموم المثقفين, وسيكون هاما هنا أن نٌذكًر بأن الدكتور المسيري مع العلامة على عزت بيجوفيتش(المسيرى اتخذه أستاذا له) يعتبرا أهم ناقدين للحضارة الغربية من المنظور الفكري /الإنساني.
نقدًا قائمًا على قواعد إسلامية أمينة وبالغة القوة والصلابة ناهيك عن فهم عميق الأغوار لمكونات  تلك الحضارة التي تعتبر نفسها مركزية في الفكر الإنساني عبر رحلة الإنسانية الطويلة ,هذه المركزية ما عادت كذلك.. الغرب نفسه يقر الأن بذلك والتطور المعرفى المتلاحق وما يحدثه من سيولة ومراجعات سيسير بنا حتما في تفكيك هذه المركزية .
ولعل موضوع الأسرة والمرأة والتربية والأطفال(المسيرى نال جائزة في أدب الأطفال) من أكثر الموضوعات التى شغلت عقله وفكره  وهو يقول الأجدى والأصلح البدء من(حقوق الأسرة) فالأسرة هى المركز الحيوى فى المجتمع ثم الانطلاق منها لحقوق الأفراد المنتمين لهذه الأسرة, ويدعو إلى إعادة الاعتبار لدور المرأة في تربية الأطفال بوصفة وظيفة إنسانية عالية القيمة دون النظر إلى الاعتبارات المادية الصرفة. كما يؤكد ضرورة النظر إلى التجربة الاجتماعية الغربية بعمق وقراءة الدراسات والمؤشرات التي توضح الأثر السىء لإبتعاد المرأة عن الأسرة فى تلك المجتمعات ماديًا ونفسيًا واجتماعيًا. وهو بالمناسبة لا يدعو إلى حرمان المرأة من العمل وإنما وفق السياقات الموضوعية المستمدة من نظرتنا نحن ووفق ما نمتلك من رؤية ومرجعية.
رحم الله الدكتور عبد الوهاب واسكنه الجنة وجعل علمه وفكره ..علما ينتفع به إلى يوم الدين.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • شروق

    05:28 ص
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى