• الثلاثاء 20 أغسطس 2019
  • بتوقيت مصر04:03 ص
بحث متقدم

تطبيق الشريعة مقابل السكوت على الفساد! (19)

مقالات

بينّا في مقالٍ سابق، كيف كان حاكم مصر عبدالعزيز بن مروان (والد عمر بن عبدالعزيز) يستولي على أموال المصريين وبقية المسلمين من شمال أفريقيا إلى المغرب.
وكيف استخدم هذا المال المسروق في "الابتزاز السياسي"، وفي "الصراع على السلطة"، حين ساومه أخوه الخليفة عبدالملك بن مروان على أن يتركَ له هذا المال مقابل أن يتنازل عن ولاية العهد لابن الأول "الوليد"!
هذه الواقعة، حاولتُ اختبارَها تاريخيًّا أيضًا، ومدى وعي الطبقة الأولى من التابعين أو من صغار الصحابة، وفهمهم للفساد المالي لوالي مصر عبدالعزيز بن مروان، وفي السياق يروي أيضًا ابن كثير في "البداية والنهاية"، نقلًا عن سويد بن قيس، قال: بعثني عبدالعزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر. قال: فجئته، فدفعت إليه الكتاب. فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح. قال: لا والله، لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار. قال: فدفع إليَّ الكتاب حتى جئته بها، ففرقها رضي الله عنه".
من الواضح أن ابن عمر كان شديد الوعي بمصادر المال الذي أرسله إليه عبدالعزيز بن مروان، فالطريقة التي تعامل بها مع الـ1000 دينار، تشير إلى فهمه أنه مال المسلمين وليس مال عبدالعزيز، فلم يبتْ ليلته حتى فرّقها على الناس، وكأنه لسان حاله يقول "هذه أموالكم رُدت إليكم"!
وتُجمع كل الأدبيات التي تناولت سيرة ابنه عمر على أن الأخير لما تولى الخلافة، أرجع لرجل مصري أرضه بحلوان بعد أن عرف أن والده عبدالعزيز قد ظلم المصري فيها، وحتى الدار التي كان والده عبدالعزيز قد اشتراها من الربيع بن خارجة الذي كان يتيمًا في حجره، ردها إليه، لعلمه أنه لا يجوز اشتراء الولي ممن يلي أمره.
المدهش -هنا- أنه رغم علم المؤرخين المسلمين، وهم في غالبيتهم حُفاظ ورواة للحديث، كانوا يعلمون -وكما نقلوا بأنفسهم- أن ما تركه عبدالعزيز بن مروان بعد وفاته -وكما قال ابن كثير- من الأموال والأثاث والدواب، ومن الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف".. كانت أموالًا "مسروقة"، ومع ذلك تكلموا عن "تقواه وورعه"!!.. بل اعتبروا ما كان يقدمه للمصريين من "فُتات".. وتسولهم قصعات الطعام اليومية التي كان يقدمها لهم.. اعتبروه تنازلًا منه وسخاءً وكرمًا مدفوعًا بـ"حب النفقة في سبيل الله"!
تجربة عبدالعزيز بن مروان، أداة مهمة جدًا في تفسير التصور الإسلاموي المعاصر لمفهوم الدولة التي تقوم على فكرة "المقايضة" أو العقد العرفي بين الخلفاء والفقهاء: تطبيق الشريعة مقابل إطلاق يد الحاكم ليفعل ما يشاء في أموال الناس وحياتهم وأعراضهم.. وهو ما سنفسره في مقال لاحق بإذن الله تعالى.



تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • شروق

    05:28 ص
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى